نحو تفعيل أنشطة المجتمع العربي
الإتحادات والنقابات .. الهوية والدور
حسين درويش العادلي
(( 1 ))
لا ريب أنَّ الواقع العربي المعاصر وبالذات في جوانبه المجتمعية شهد تطوراً نوعياً في مختلف ميادين العلم والنُظم والإدارة ، هذا إذا ما قُورن بالماضي القريب وما كان عليه الحال من تخلف وتبعية .
ونقول في مساراته المجتمعية ، كوننا نرى أنَّ الواقع الرسمي العربي -وللأسف- ما زال رهين رؤاه التقليدية القائمة في العديد من مظاهرها على احتكار المشروع التنموي والنهضوي برمته خارج إطار المشاركة الشعبية الحقيقية سواء في الخطة أو البرنامج أو القرار ، بل يذهب في بعض الأحايين إلى تسخير إمكانات الأمّة بأكملها لخدمة مشروعه الخاص أياً كان جنسه ولونه وأهدافه وإن تعارض أو تصادم مـع تطلعات مجتمعاتنا وحقوقها المشروعة !!
فعلاوة على أنَّ معظم السلطات القائمة فاقدة للشرعية بمعناها الحقيقي والقانوني ، والبعض منها تقترب بها حالات الوصول إلى السلطة والإستمرار فيها ، إلى سقف اللصوصية المفضوحة والعلنية !! إذ تستند في بقائها السلطوي على أنماط استهلاكية مكشوفة من (( الشرعيات )) التقليدية والثورية ،.. فإنها ورغم غربتها القانونية والشرعية هذه لم تنجح غالباً في كسب ود جماهيرها ومسايرة تحولاته والتطورات التي يشهدها في نموه النوعي ورشده الكيفي .
وتلك مفارقة تدعو للذهول عند استعراضها !! ففقدان الشرعية وافتقاد المشروعية وانتفاء السند القانوني والقاعدة الموضوعية لأنماط السلطات لدينا يستدعي على الأقل شيئاً من الحكمة في مداراة المواطنين المتضررين وقبول مشاركتهم وتفهم تطلعاتهم وتحقيق طموحاتهم الوطنية المشروعة إنطلاقاً من مواطنتهم التي هي حق طبيعي وليست منّة من أحد ،.. إلاّ أننا نشهد عكس ذلك ، إذ نجحت بعض السلطات لدينا في تأسيس القطيعة مع جماهيرها وتفننت في ذلك ، مما أوجد حالة من الطلاق المزمن بين الدولة والمجتمع على تعدد مكوناته وشرائحه !! الأمر الذي أشل مقومات العمل والتنمية والتطور الذي هو جهد المجتمع ككل والقائم على إرادته وطاقاته بشكل كلي ، لا على إرادة النُخب والمستويات الحاكمة وحسب .
وقولنا هذا لا ينفي وجود إضاءة أو تقدم أو نجاح هنا أو هناك استطاعت بعض السلطات العربية تحقيقه على الأرض ، فالموضوعية تستدعي الإعتراف والإقرار بذلك .
والحقيقة أنَّ هناك تجارب واعدة أخذت تسترعي الإنتباه وتستجلب الأمل بإمكانية تحقيق إنجازات نوعية في ميادين التقدم الإجتماعي والإقتصادي والسياسي ، وخطوات تحوّلية أخرى أخذت تعبر عن نفسها في ميادين التكيف مع الواقع العربي الجديد في مختلف توجهاته ، إلاّ أنَّها ما زالت بطيئة وخائفة في بعض صورها ، أو تذبذبية وتراجعية في بعض مظاهرها ، وبينها وبين المشروع النهضوي الشامل مسافات ومسافات تستدعي إعادة النظر والتطبيق للعديد من أنظمتنا النظرية والعملية وصولاً لسقف الآمال الكبرى التي تنشدها مجتمعاتنا العربيـة ككل .
ولعل من أهم تلك الأنظمة التي لابد وأن تتوافر عليها خططنا النوعية المطلوبة لتفعيل حركة المجتمع المدني أو الأهلي ، تأتي مهمة التنظير والتفعيل للأُطر الإتحادية والنقابية والمهنية ، وذلك على صعيد الهوية والدور ، والذي نزعم أنه تعرض لإنتكاسات كبرى لم تعرف ترميماً أو تقويماً جاداً بعد ،.. وهي مهمة مشتركة على الإتحادات والدولة والمجتمع إعادة هيكليتها التنظيرية والعملية بما يناسب رسالة هذه الأُطر الأساسية في حركة المجتمع العربي وجملة منظوماته القيمية والثقافية والحضارية .
(( 2 ))
والحقيقة أنَّ فكرة تشكيل الإتحادات المهنية والنقابات العمالية وأنماط الأطر الوظيفية والحرفية التي تتجه لإبداعها وتوكيدها مختلف المجتمعات رغم تباينها الإجتماعي والحضاري واختلاف نظمها السياسية ، إنما هي فكرة تنظيمية تقوم على أساس تجمع جماهيري عريض يشترك أعضاؤه من خلال وجهتين ؛
الأولى : إشتراكهم في طبيعة الحقل العملي والتخصص الوظيفي والممارسة المهنية والحرفية بشكل مباشر .
الثانية : إشتراكهم في الرؤية فيما يتعلق بواقعهم الحياتي كشريحة تشخص أهدافاً معينة لتقدمها واستقرارها من الزاوية المهنية .
وعموماً ، فلا يمكننا استبعاد البعد السياسي من خلال حركة هذه الأُطر إجتماعياً ، إنطلاقاً من التداخل القائم بين ما هو إجتماعي وما هو سياسي في حركة الواقع وعلى مر التأريخ ، فلم تلتزم هذه المؤسسات بأهدافها الخاصة تلك المتصلة بتحسين ظروف العمل أو زيادة الأجور أو تقليل ساعات العمل أو الأوضاع المهنية الأخرى ..الخ ، بقدر ما تتعاظم رويداً رويداً لتصل إلى الغايات والأهداف السياسية ذات العلاقة بإدارة التجربة الإجتماعية برمتها ، بل أنَّ البعض منها قاد عمليات التغيير الإجتماعي والسياسي لعموم التجربة المجتمعية ، ونقابة التضامن البولندية خير مصداق لذلك .
من هنا نُدرك ؛ أنَّ عملية الفصل تبدو مستحيلة بين ما هو إجتماعي – إقتصادي – سياسي في حركة المجتمعات ، لذا نلحظ أنَّ التغيير الذي قادته نقابة التضامن كان باكورة لتغيرات إيديولوجية إجتماعية سياسية كُبرى شملت كافة الأنظمة الإشتراكية في أوربا الشرقية .
وتلك من مفارقات التأريخ الهامة وبالذات للفكر الماركسي الذي يقوم على أُحادية العامل الإقتصادي في إجراء التحولات المجتمعية ، والبروليتاريا لديها هي أداة التغيير على ضوء إختلال علاقات المُلكية ووسائل الإنتاج ،.. فكان الأولى وفق المنطق الماركسي ونظرته العلمية للتأريخ أن تكون نقابة التضامن الحارس على الأنظمة الإجتماعية والسياسية في بولندا وذلك وفق الفهم الماركسي لصناعة التأريخ المجتمعي ، إلاّ أننا نرى أنَّ هذه النقابة العمالية المليونية سارت باتجاه معاكس تماماً ، إذ قوّضت كافة النُظُم والمستويات الإشتراكية الحاكمة في بلدها ،.. وعلى أيدي العمال أنفسهم شُيّدت النُظُم الليبرالية والرأسمالية !!
وعليه نعي ؛ أنَّ التأريخ الإنساني هو صناعة وإفراز لكافة العوامل الداخلة في تكوين الواقع الإنساني ، وبتعاضدها ينتج لدينا الفعل التأريخي الباني للواقع الإنساني على تنوعه ، لذا فمن الخطأ التعويل على عامل واحد أو عامِلَين في عملية صناعة التأريخ ، فالتأريخ هو الوعاء والإطار الزّمكاني لكافة نتاجات الذات الإنسانية المُنتَجَة بفعل عوامل لا تُحصى في تشكيلها العملي ،.. وهكذا فكل فعل يُحدث تغيراً لابد وأن يكتسب وجوده من تلك العوامل المتعددة والمتنوعة التي يزخر بها الوجود والذات الإنسانية على وجه التحديد .
وعليه ، فعملية الفصل بين ما هو سياسي وإجتماعي وإقتصادي ..الخ ، إن أمكن تحقيقها من الوجهة والناحية النظرية إلى حدٍ ما ، فإنها تبدو غير ممكنة من الناحية العملية ، بل ممتنعة بذاتها عن التحقق ،.. وهكذا يكون كل جُهد إنساني هو ثمرة لما يزخر به ذاته ومحيطه وتأريخه وواقعه .. في عملية تناغمية تداخلية لا تعرف الفصل والحدود أثناء تعاطيها للفعل على الأرض ،.. وهذا ما أكده الواقع التجربي للإتحادات والنقابات على امتداد حركتها التأريخية .
(( 3 ))
ونورد هنا ، أنَّ فكرة تشكيل هذه المؤسسات ليست بالجديدة في حد ذاتها ، فقد عرفتها المجتمعات الإنسانية بشكل وآخر ، فحضارتنا العربية والإسلامية تعارفت عليها تحت إسـم (( الأصناف )) كما في عهد هارون الرشيد وبالذات في بغداد وسامراء ، وقد تناولها العديد –كإبن بطوطة والطبري والخطيب البغدادي – شرحاً وتفصيلاً بما يوضح ميزاتها المهنية والإدارية والتنظيمية وحتى الروحية .
وقابل ذلك لدى الأوربيين -في عصورهم الغابرة- تسمية (( الطوائف )) للإشارة إلى هذا اللون من الأطر الإجتماعية والإقتصادية .
إلاّ أنَّ أولى بوادر تشكّلها الجديد بما يوافق حركيتها المعاصرة ، كان في أواسط القرن الثامن عشر الميلادي ، عندما تزعم العمال حركة النقابات وأخذوا بالمطالبة بحقوق الطبقات العاملة التي دكتها الممارسات اللاإنسانية لأرباب العمل بعد التطورات المتسارعة التي أنتجتها الثورة الصناعية وما صاحبها من بروز قيم التنافس الذي دفع ضريبته العمال من خلال سياسة تقليل الأجور وزيادة ساعات العمل لضغط سعر التكلفة .
وفي ظل ظروف مأساوية لم تساعد الدولة أو الكنيسة أو أرباب العمل على تجاوزها أو التخفيف من آثارها ، إنطلقت الفكرة لتشكيل هذه الأطر العمالية سعياً وراء العدالة الإجتماعية ، ولمحاولة مواجهة هذا التدهور من خلال إرادة وموقف جماعي يساعدهم على تحقيق التأثير المطلوب في الصراع لنيل الحقوق .
وهنا نلحظ ؛ أنَّ هذه الفكرة وبشكلها المعاصر إنما كانت نتاجاً أوربياً أفرزته خصائص التجربة الأوربية وهي تشق طريقها نحو عصر التصنيع ، ومثلّت بريطانيا موطنها الأول ، وأنها ترعرعت ونمت إبتداءاً على يد الطبقة العاملة دون سواها ، وأنها كانت أبرز إفراز لما أنتجته النظرية الرأسمالية وآليات عملها آنذاك من شيوع قيم التنافس والإستغلال والجشع وفي ظل غياب التشريعات القانونية المنظمة للعملية الإجتماعية برمتها سواء في الجوانب الإقتصادية أو السياسية .
وعموماً ، فقد تظافرت جملة من العوامل التي بلورت الفكرة والمنهج لهذه الأطر التنظيمية ، مثل :
أولاً ؛ نضوج المقولات والطروحات المنادية بالحرية والمساواة والعدالة ، والهادفة لتحقيق التوازن الإجتماعي والوقوف بوجه الإستبداد والطغيان السياسي ،.. وهذا ما بلورته الثورة الفرنسية في حركتها الواسعة 1789م .
لقد استطاعت الثورة الفرنسية إحداث نقلة نوعية لدى الشعوب الأوربية التي كانت تعاني الأمرّين من سوء إدارة ملوك وأباطرة ونبلاء أوربا والمؤسسات الحاكمة أو النافذة بما فيها الكنيسة ، وعملت على انتشار المد الثوري في أوساط شعوبها ، واستهوت شعارات الثورة العديد من الحركات المنشدّة لتغيير الواقع السائد آنذاك ، ولم تُستثنى الحركات العمالية من هذا التأثير والتأثر بمفاهيم الثورة مما ساعد في بلورة مفاهيمها وحدد الكثير من رؤاها الإجتماعية والسياسية .
ثانياً ؛ الواقع المأساوي الذي كانت تعيشه الطبقة العاملة الأوربية إبان عصر النهضة الصناعية ، فإنَّ النقلة النوعية في مضمار التقدم الصناعي وما نتج عن زيادة الإنتاج وجني الأرباح وبروز قيم التنافس وروح الإستغلال ، أدى بشكل أساس إلى إندكاك الطبقة العاملة التي أنهكتها الممارسات الجشعة لأرباب المصانع .
ولكي نتصور حجم المعاناة التي كابدها العمال آنذاك لضمان أرباح السادة أرباب المصانع ، نطالع التأريخ لنقرأ ، أنَّ البرلمان البريطاني أصدر عام 1819م قانوناً يحرم على أرباب المصانع تشغيل الأطفال البالغين من العمر التاسعة فما دون أكثر من تسع ساعات يومياً !! هكذا كانت المصانع تُدار بدماء الآدميين بدل الزيت والفحم .
ثالثاً ؛ غياب التشريعات القانونية في مجال حماية الطبقة العاملة وضمان الحد الأدنى من متطلباتهم الحياتية ، بل التمادي في قمع أية مطالبة عادلة لتحسين ظروف الجمهرة العمالية عن طريق تشريع القوانين القمعية ، وقد أقرت بريطانيا في أوائل القرن الثامن عشر ما دعته بـ (( قوانين التكتل )) والتي يمنع العمال بموجبها من مجرد الإجتماع .
إنَّ الضغوط الهائلة التي تعرض لها العمال أدت بهم إلى التوسل بالعديد من الأساليب الدموية والتخريبية كقتلهم لأرباب العمل وحرقهم للمصانع ، كما لم تزدهم الإجراءات التعسفية على الصعيد الرسمي سوى الإصرار على المواصلة والتي تمثلّت بإنشاء المنظمات السرية .
لقد وجدت الدولة البريطانية نفسها ملزمة بالسماح لنقابات العمال من الظهور إلى السطح إذ رفعت الحظر عنها سنة 1825م ، واستطاعت الدولة من خلال هذه الخطوة أن تنـزع فتيل تعاظم العمل السري وما يمكن أن يقود إليه من اضطرابات .
ومع ذلك استمرت عملية الشد والجذب بين العمال وأصحاب المصانع ، وكان لكل فريق أسلحته في معاركه المتواصلة بدءاً بالإضرابات وانتهاءاً بقطع الإجور ، فالحلول والسياسات التي استهدفت معالجة الواقع القائم كانت ترقيعية وبائسة ، فحتى السماح القانوني للعمل النقابي كان انتقائياً إذ اشتمل على الصّناع المهرة فقط ، أما قطاعات العمال الواسعة فقد غُيّب حضورها ليس فقط على مستوى الواقع النقابي وإنما على مستوى التمثيل البرلماني أيضاً ، إذ لم يكن للعمال حق التصويت لإختيار مَن يتوسمون بهم المساندة لقضاياهم العادلة .
(( 4 ))
إنَّ الدراسة العلمية والموضوعية الشاملة للحركة العمالية في تلك الحقبة وما تلاها ، أمر هام لإحاطة القارئ بالمسارات التأريخية التي اختطتها الحركات العمالية عبر تأريخها الحديث .
ولا نبالغ إن قلنا ؛ أنَّ إرهاصات التأسيس وحيثيات الصراع لهذه المرحلة قد حدد الكثير من معالم العالم وعلى الصُعد كافة ،.. إنها بؤرة من بؤر التأريخ الهامة التي أفرزت العديد من التيارات الفلسفية والمذاهب الإجتماعية والمدارس الفكرية والنُظم السياسية التي شكلّت العالم الجديد ، ويكفي أن نشير إلى أنَّ التجارب الماركسية والليبرالية التي اقتسمت العالم الأوربي وتأثرت بخطها المدرسي العديد من الشعوب والدول في العالم ، ما هي إلاّ حاصل ونتاج هذه المرحلة الحسّاسة من التأريخ الأوربي ولو على صعيد بلورة المفاهيم والمبادئ وإقرار القوانين والدساتير.
إنها المرحلة الأكثر حسماً في تشكيل صورة العالم الحديث طيلة القرنين المنصرمين ، وعلى الباحثين تركيز جهودهم لدراسة حركة التأريخ الفكري والتجربي لهذه الفترة التأريخية التي ولّد كل هذه النتائج .
ولسنا هنا بصدد التوسع ، بقدر ما يعنينا استعرض ما يتصل بموضوعنا لتشكيل صورة عامة عن الواقع الذي أفرز بعض صيغ وأشكال هذه الأُطر وحدد لها الهوية والدور في خضم إفرازها التأريخي .
ويمكننا تناول الحركة العمالية هنا على ضوء تواجدها الوطني أو الجغرافي في كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا ، ومثل هذا التقسيم يعود لسببين ؛
الأول ؛ لإختلاف نمط الحركة العمالية في تجاذبها والواقع الإجتماعي والسياسي الذي اشتملها ، ولتباينها في إقرار أهدافها من حيث الأساليب المتبعة في التعاطي مع أرباب العمل وأجهزة الدولة .
الثاني ؛ اختلاف نمط تعامل الحكومات والسلطات الوطنية والمحلية التي شهدت قيام الجمهرة العمالية ، سواء في سياسة الإحتواء أم في سياسة المواجهة .
الحركة الفابية
وهي حركة الجمهرة العمالية في بريطانيا ، وقد عُرفت بهذا الإسم نسبةً إلى القائد الروماني الذي كان يُداور العدو أو الخصم حتى يُنهكه دون أن يشتبك معه ، وهي تؤمن بالتطور التدريجي البطئ لنيل حقوقها وتحقيق أهدافها .
لقد كانت بريطانيا الموطن الأول للنهضة الصناعية الحديثة ، الأمر الذي أفرز زيادة محمومة في حركة التصنيع وما نتج من زيادة الإنتاج ، من هنا كانت بريطانيا الدولة الأولى التي شهدت ولادة الحركات العمالية وما تبعها من تنظيمات على أساس نقابي .
إمتازت الحركة العمالية في أوائل نشأتها بالعنف لإقرار حقوقها ، وكان الصراع العمالي يمتد ليشمل جبهتين ؛ جبهة أرباب العمل ومُلاك المصانع ، وجبهة البرلمان ومستويات السلطة الأخرى ، وقد امتاز هذا الصراع في بعض أدواره بالدموية الحادة . إلاّ أنَّ الأساليب التي اعتمدتها السلطات آنذاك كان قد حدد العديد من أنساق هذه الحركة ، وأخرجها من إطارها المتمرد إلى واقع الإعتدال ، والذي لم يأت تطوعاً بقدر ما كان نتيجة للضغوط التي مارستها الطبقة العاملة ، إنه الإقرار بحقوق الآخرين من موقع الإرغام لا التطوع .
من جانب آخر ، شهدت ساحة أرباب العمل تحركاً نسبياً باتجاه تحسين ظروف العمل ورعاية العمال ، وذلك الإختراق يُسجله التأريخ للسيد روبرت أوين ، الذي تزعم الحركة المنادية بوجوب الإهتمام بالجمهرة العمالية ، وقد كافح هذا الرجل على ثلاث جبهات :
الأولى ؛ على صعيد إيجاد مُدن مثالية تُقر فيها حقوق الطبقة العاملة .
الثانية ؛ تحركه الواسع في أوساط أرباب العمل ومُلاك المصانع لمساندته في حركته الجديدة .
الثالثة ؛ تحركه باتجاه البرلمان ، إذ استطاع حمله على إصدار (( قانون المصانع )) عام 1819م ، وقد أقر هذا القانون بوجوب عدم تشغيل الأطفال البالغين من العمر التاسعة فما دون أكثر من تسع ساعات يومياً ، ومثل هـذا القانون يعتبر إنجازاً نوعياً حينها .
وعموماً ، فإنَّ التوسع الكبير الذي حدث للقاعدة الصناعية ، وفتح أسواق جديدة للإستهلاك في مختلف أنحاء العالم ..الخ ، أدى إلى بروز الحاجة الماسة لزيادة الأيدي العاملة من جهة ، وضمان إدارة المصانع بشكل سلمي من جهة أخرى ، وهذا ما دفع أرباب العمل والبرلمان للتجاوب مع مطالب الطبقة العاملة والسعي لتحسينها .
من هنا رأينا ؛ أنَّ قسماً من الأرباح قد خُصصت للعمال ، فيما راح البرلمان يتبنى سياسة جديدة لصالح الطبقة العاملة ، كما في إقراره سنة 1867م للتعديلات التي أُدخلت على قانون الإنتخاب ، حيث أعطى القانون لبعض عمال المدن حق التصويت .
لقد اكتشف أرباب العمل ، أنَّ أنجع وأفضل وسيلة لإحتواء الحركة العمالية ونزع الصاعق منها ، هو تبني سياسة الإنفتاح ، وأدركوا وبنفس القوة ، أنَّه ولسلامة مصانعهم ولضمان جني أرباح أكبر في خضم التطور الصناعي ، كان لابد وأن يتم التفاعل والتجاوب مع مطالب الجمهرة العمالية .
إنها سياسة الإحتواء المتقابل ، لذا دُعيت الحركة العمالية هناك بالفابية ، بعد أن مارست الأطراف كل أسلحتها لكسب الصراع دونما جدوى .
الحركة الفوضوية
وهي حركة الجمهرة العمالية التي نمت وانتشرت في جنوب وشرق أوربا وبالذات في إيطاليا وإسبانيا .
لقد انطلقت الحركة إثر إفلاس صغار الملاّك بفعل أجواء التنافس الجديد الذي أحدثته النهضة الصناعية ، وقد تبلورت فلسفتها على نقطة مركزية وهي ؛ ضرورة التخلص مـن القيود المؤسساتية بما في ذلك الكنيسة والدولة ، كونها تمثل مشروع مصادرة للحريات الإنسانية وسُبُل اختيارهم الحر في مختلف أنشطتهم الحياتية ، هذا ما كانت تراه الحركة الفوضوية .
إنَّ من أبرز زعمائها ؛ الإنكليزي وليام جودوين والروسي ميخائيل باكونين والفرنسي بيير برودين والألماني كاسبر شميدت ، على أنَّ الواقع شهد تباين العديد من الأفكار والسياسات التي اعتمدها هؤلاء الزعماء سواء في تعاطيهم مع الدولة أو العمل أو المُلكية ..الخ . ولعل هذا عاد بدرجة رئيسة إلى كون الفوضوية لا تمتلك خصائص الوحدة الفكرية المدرسية ، بل هي نتاج خليط فكري يساري إشتراكي وليبرالي رأسمالي ، هذا ما أدى إلى بروز تنوعها الفكري والخطيّ في تعاطيها مع الواقع ،.. والفوضوية المعاصرة تكاد تكون غريبة عن أصلها التأريخي .
لقد استطاعت الحركة الفوضوية الإمتداد في أوساط الطبقات العاملة ، وأحرزت العديد من المواقع الريادية في قيادة الشارع العمالي في جهد دائب لم يُكلل بالنجاح ، وقد توسلت بأساليب عنف وإرهاب لا يُستهان بها لتحقيق أهدافها ، دونما جدوى . ومع نهاية القرن التاسع عشر الميلادي كانت الفوضوية تلفظ أنفاسها الأخيرة على صعيد الحضور الميداني .
الحركة السنديكالية
وهي حركة الجمهرة العمالية في فرنسا ، نسبة إلى كلمة (( سنديكا )) الفرنسية والتي تعني نقابة أو جمعية عمالية ،.. ويمكننا القول أنها اعتمدت خطاً وسطاً بين الإشتراكية والفوضوية في تحقيق رؤاها وأهدافها .
فالإشتراكية ترمي إلى السيطرة المطلقة على وسائل الإنتاج ، وترى وجوب تأميم كافة الصناعات بعد سيطرة البروليتاريا على مقاليد الأمـور (( المركزية البورليتارية )) ، بينما قالت السنديكالية بمبدأ اللامركزية البروليتارية ، إذ عارضت مبدأ ملكية الدولة العمالية ، ورأت وجوب سيطرة عمال كل مصنع على شؤون مصنعهم عن طريق نقابتهم الخاصة ، ومن ثم تقوم مجموع نقابات البلاد بانتخاب نوابها وترشيحهم إلى مجلس عام يكون بمثابة برلمان لإدارة شؤون البلاد .
الحركة الماركسية
إنَّ أدنى استقراء فاحص للتأريخ السياسي لهذه الحركة يُنبئ بأنَّها كانت ردّ فعلٍ تجاه الإخفاقات التي سقطت في شركها الثورة الفرنسية ، إضافة إلى ردود الأفعال المدرسية والتجربية الأخرى القومية والمحافظة ، ولو نجحت الثورة الباستيل في ترجمة مقولاتها الكُبرى إلى واقعٍ عملي متوازن ، لتمكنت من تغيير مسار الإمم الأوربية بما يُغاير النتائج التي تمخضت عن حركتها الإخفاقية هذه ، ولعله لم تكن لتولد العديد من الحركات الإجتماعية والمدارس الفكرية التي حاولت علاج الأزمة ،.. وكارل ماركس –الألماني-ذاته كان قد تأثر بشكل مباشر بموجة التناقضات التي استظلتها أوربا آنذاك إبتداءاً بمخاضات الثورة الفرنسية وإنتهاءاً بحالات التآكل الإجتماعي المريع الناجم عن إرهاصات النهضة الصناعية وقيم التجربة الرأسمالية .
لقد تأثر ماركس أيما تأثر بالمبادئ التي جادت بها الحركة الفوضوية والإشتراكية ، واستهوته أفكار العديد من الذين سبقوه وعاصروه أمثــال ( سبينـوزا ) و ( سانت سيمون ) و ( بابويف ) .
إنَّ هناك ثلاثة عوامل أساسية ساعدت بشكل كبير في بلورة مدرسة ماركس ، وذلك بعد مرحلة المراهقة الفكرية التي عاشها في في ألمانيا وفرنسا وإنكلترا ، والعوامل هي :
أولاً ؛ فشل الطروحات السائدة آنذاك في أوربا في حل المشكلة الإجتماعية وحل التناقضات الفكرية والسياسية والإقتصادية ، وعلى رأس تلك الطروحات ؛ الثورة الفرنسية والتجربة الرأسمالية .
ثانياً ؛ الوضع المأساوي الذي كانت تعيشه المجتمعات بفعل إرهاصات النظام الرأسمالي ، وما أفرزته من إندكاك مريع لحقوق المحرومين وفي مقدمتهم الجمهرة العمالية ذات الوجود العريض إجتماعياً .
ثالثاً ؛ عامل الثورات الذي اجتاح أوربا في الفترة 1830- 1848م ، وما أفرزه من تغيير العديد من الأفكار والمفاهيم الإجتماعية والسياسية على الساحة الأوربية .
فماركس وليد الأزمة الأوربية إبان القرن الثامن عشر ، وخطواته الرئيسة أفرزتها هذه الأزمة بكل ضروبها الفكرية والسياسية ، وفي المقدمة تأتي محاولته لتطوير المبدأ الإشتراكي ، وصياغة النظرية العلمية للتأريخ ، والتي يفسر على أساس منها جوهر الصراعات الإنسانية ويُحدد العوامل المحركة للتأريخ والمنُتجة لمساره الحتمي .
إنَّ الحديث عن المادية التأريخية كنظرية من الزاوية النقدية لا يعنينا هنا ، بقدر ما نود الإشارة إلى تعاطي ماركس والجمهرة العمالية لتنظيم تجربتها العملية .
بعد دراسته للقانون والفلسفة ، أصدر ماركس صحيفة كانت السبب في طرده من ألمانيا ، فارتحل إلى فرنسا ، وهناك احتك بالإشتراكيين والفوضويين ، وتبلور لديه المبدأ الإشتراكي (( الماركسي )) ،.. وبسبب نشاطاته وممارساته هذه ، طردته حكومة لويس فيليب الفرنسية ، فأقام في لندن ، والتقى بفردريك انجليز الألماني صاحب مصنع القطن الذي كان من أنصار روبرت أوين رائد الإصلاحات العمالية في بريطانيا .
لقد كان (( البيان الشيوعي )) عام 1848م ، أول إصدار مشترك لماركس وإنجلز ، والذي انتقدا فيه الشعارات الديمقراطية ، وبلورا نظريتهما الإشتراكية ، واختتما بيانهما بنداء (( يا عمال العالم اتحدوا )) . ومنذ هذا التأريخ بدأ ماركس بالنـزول إلى الواقع الإجتماعي جنباً إلى جنب مع الفوضويين والإشتراكيين والفابيين .
لقد نجح ماركس عام 1883م في تشكيل أول إجتماع موسع ضم الجماعات المتفرقة المعتنقة للمبدأ الإشتراكي ، وبعد ذلك تمكن من تأسيس (( جمعية العمال العالمية )) ليأخذ على عاتقـه إنشاء الخط العمالي الماركسي ،.. وقد شهد عام 1871م أول إجتماع لهذه الجمعية ، والتي لم يُكتب لها الإستمرار للعديد من الأسباب .
توفي ماركس عام 1883م ، بعد فشله في بلورة خط عملي ميداني واضح وفق أراءه ومقولاته .
وفي عام 1889م حاولت الجماعات العمالية تشكيل اتحاد عمالي عالمي آخر ، وقد دُعيَّ بـ (( الإتحاد العمالي الثاني )) والذي استمر حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى .
الملاحظ على هذه الفترة التأريخية ، تفشي حالات الصراع والتآكل بين مختلف الإتحادات العمالية ، والتناقض الصريح بين الإتجاهات النقابية فابية كانت أم فوضوية أم إشتراكية .
لقد أكدت الحرب الواقع القطري والمحلّي لكل اتحاد ونقابة على حساب التوجه العالمي الذي كانت تنشده ،.. ويمكننا القول أنَّ هذه الفترة شهدت اندحار العديد من الخطوط النقابية الفوضوية والإشتراكية ، واضمحلال الإتجاهات الفابية والسنديكالية إثر سياسة الإنفتاح التي اعتمدها أرباب العمل وتدخل البرلمانات لصيانة حقوق الطبقات العاملة ، وكذلك عوامل المواجهة للإتجاهات العمالية المتشددة .
لقد شهد المؤتمر العمالي عام 1889م نجاحاً ملحوظاً في تعبئة بعض القطاعات العمالية متجاوزاً القطرية والوطنية ، وشهد إقصاء الفوضويين عن مراكز القرار ودوائر التأثير في الحركة العمالية .
واستمر الوضع على ما هو عليه حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى التي وضعت حداً طبيعياً بين مرحلتين ؛ مرحلة التحرك العمالي العالمي ، ومرحلة التحرك العمالي المتأثر والمتأطر بالأُسس القومية والوطنية ، فقد نُسيّ الإلتزام الأممي بفعل ثورة الشعور القومي والوطني ، وريداً رويدا أفرز الواقع قيام معسكرين لنمط التحرك العمالي وهما ؛ الإتجاه الماركسي والإتجاه الديمقراطي .
بدأ لينين عام 1919م بالإعداد لمؤتمر جديد في موسكو ، وكان مؤتمراً شيوعياً محضاً ، إذ لم يُقبل فيه إلاّ الشيوعيون الرسميون ، ودُعـــي بـ (( المؤتمر العمالي الثالث )) ، وقد قاطع المؤتمر العديد من الإتجاهات العمالية الماركسية التي أخذت تتجمع ضمن أُطر معينة ، وقد شهد عام 1933م قيام مؤتمرين عالميين كلاهما يدعي تمثيله للخط العمالي الماركسي . علماً أنَّ الإتجاهات العمالية في العديد من دول أوربا وأميركا قد اختطت لنفسها التوجه المحافظ في إقرار أهدافها ، وارتضت النهج الديمقراطي لنيل الحقوق ضمن الشرنقة القومية والوطنية لشعوبها .
(( 5 ))
وما إن وضعت الحرب الكونية الأولى أوزارها ، حتى وجدت مشاكل العمل وحقوق التأسيس النقابي طريقها إلى مائدة الإتفاقات الدولية لتتمخض عن تشكيل (( منظمة العمل الدولية )) عام 1919م .
ولا ريب أنَّ ثقل التجربة الأوربية في هذا المضمار وما أنتجته من خطوط ومدارس وتكتلات متنافسة ،.. كان حاضراً أمام العالم المنتصر في الحرب ، فاتجه التفكير لنــزع صاعق هذه الأزمة التي تُنذر بالإنفجار كلما ازدادت شحنةً واحتقاناً ،.. كما أنه جزء من صورة العالم الجديد الذي شاء صانعوه تشكيله ورسم معالمه .
إنَّ منظمة العمل اليوم المنتظِمة من خلال ميثاق محدد ، والمُنتِجة للإتفاقات ، والُمقرِرة للتوصيات ، والتي تتخذ من جنيف مقراً لها ، لهي من أوسع المنظمات الدولية التي تعمل من خلالها دول العالم عن طريق مندوبيها ومؤسساتها الصناعية والعمالية لتسوية قضايا العمل والعمال .
ولعل من أهم الإتفاقيات التي أبرمتها المنظمة ؛ إتفاقية 78 الخاصة بحرية التكوين النقابي عام 1948م ، واتفاقية 98 الخاصة بحماية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية عام 1949م .
كما شقّت المشاكل العمالية طريقها إلى أروقة الأمم المتحدة ، لتُعبّر عن نفسها من خلال المادتين 23 و 24 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الأول عام 1948م ، وتنص المادة 23 على أنَّ :
(1) لكل شخص الحق في العمل ، وله حرية اختياره بشروط مرضية كما أنَّ له حق الحماية من البطالة .
(2) لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل .
(3) لكل فرد يقوم بعمل الحق في أجر عادل مرض يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان ، تضاف إليه عند اللزوم وسائل أخرى للحماية الإجتماعية .
(4) لكل شخص الحق في أن يُنشئ وينضم إلى نقابات ، حماية لمصلحته .
وتنص المادة 24 على أنَّ : لكل شخص الحق في الراحة ، وفي أوقات الفراغ ، ولاسيما في تحديد معقول لساعات العمل وفي عطلات دورية بأجر .
(( 6 ))
أمّا الإتجاهات والإتحادات النقابية غير الأوربية قد توزعت بين التجربتين الإشتراكية والليبرالية ، مكررة ذات النسق في أغلب الأحايين دون مراعاة الخصوصية القيمية أو الثقافية أو الحضارية لشعوبها ومجتمعاتها وتجاربها الخاصة على تنوعها السياسي والإجتماعي والنهضوي ، إلاّ ما ندر !!
كما أنَّ قوة وريادة المنتصر الأوربي ساعدت في فرض تجربته بكل تنوعاتها على سائر شعوب العالم ،.. وهنا سعت معظم أطراف الكتلة الأوربية على اختلاف مدارسها ونظمها الحاكمة إلى مد نفوذها لضمان سيطرتها على العالم ، فكان الإحتلال العسكري والهيمنة الفكرية والوصاية السياسية والضغوط الإقتصادية أدوات فاعلة لفرض النسق التجربي لهذه القوة أو تلك ، ومن بينها تجاربه المهنية والنقابية .
ومما زاد الطين بلة ، شيوع التخلف وسيادة القهر في أوساط الشعوب المستعبدَة ، والأنكى بروز رجال وتيارات ونظم الإنبهار والتبعية واستلامها لمقاليد الحياة العامة في شؤونها الفكرية والإعلامية والسياسية .
وكان الواقع العربي أبرز مصداق لهذه الحالة ، حيث شهد قيام النمطين الإشتراكي والليبرالي للحركة النقابية ، وقد كان شهوداً إسمياً لا علاقة له بالمسمّى من الناحية القيمية أو الموضوعية !! ليتم بالنتيجة توظيف هذه الأُطر سياسياً كإحدى أدوات الصراع السياسي على السلطة وإدارة التجربة الإجتماعية العربية .
من هنا شهد العالم العربي إنقسام منظماته النقابية في الولاء والتوجه بين (( الإتحاد العالمي للنقابات )) ومقره براغ ، و (( الإتحاد الدولي للنقابات الحرة )) ومقره بروكسل ،.. وهكذا أُدخلت هذه الأُطر العربية لعبة التكتلات والموازنات والإرتباطات على حساب الأهداف المهنية والإنسانية والوطنية التي تبرر قيامها .
ولم يكن الإتجاه العربي الرسمي بمنأى عن تشويه عمل ورسالة مثل هذه الأُطر التنظيمية ، كما أنَّ ولادتها الميدانية صاحبه التشكيك في الأوساط الجماهيرية إذ رأت فيها إطلالة للكتلة الماركسية الحاكمة في شرق أوربا بكل ما تشتمله من مضامين فكرية وسياسية ،.. وللأسف ، فإنَّ العديد من هذه المنظمات والنقابات ساعدت على تعزيز هذه القناعة سواء من خلال شعاراتها أو ممارساتها أو ارتباطاتها ، أو من خلال نمطية العمل وطبيعة المنهج ولون الأداء السياسي ،.. وهكذا تعاضدت العديد من العوامل لتحديد الهوية ورسم الدور لهذه الإتحادات النقابية في واقعنا العربي ، بما أفرز كل هذه النتائج التي شلّت رسالة وعطاء مثل هذه الأُطر المجتمعية الهامّة .
ولا يختلف الواقع المعاصر كثيراً عن ماضيه القريب ، رغم التحولات الكبرى التي شهدها الواقع العربي والدولي ، فما زالت العديد من هذه المنظمات تمثل غطاءً للتجربة الحاكمة وتعمل كإحدى واجهات الدولة في هذا القطر العربي أو ذاك ، في حين تغيرت بعض واجهات هذه التنظيمات بما يلائم تغير معادلات الصراع الوطني والإقليمي والعالمي -وبالذات بعد سقوط الإتحاد السوفيتي وانسحاب الإتحاد العالمي للنقابات بالتبع ، وتفرد الإتحاد الدولي للنقابات الحرة بالسيطرة على معظم توجهات النقابات في معظم دول العالم- إلاّ أنه تغير لم يمس المضمون كثيراً .
(( 7 ))
ومن الملف للنظر إمتداد وتوسع وشيوع فكرة العمل التكتلي القائم وفق الأسس المهنية أو الوظيفية أو التخصصية ، فلم يعد الأمر مقتصراً على الإتحادات العمالية في حركة الواقع المعاصر ، كون المسألة في عمقها تجاوزت الأهداف المهنية الصرفة لتشمل كافة جوانب الحياة في تنوعاتها المختلفة وبالذات السياسية منها ،.. على أساس أنَّ المشكلة السياسية هي المشكلة الأُم التي يتم على ضوئها نحت كافة مستويات وأشكال النُظُم المجتمعية الأخرى على تعدد أنماطها .
من هنا نرى كل هذا التنوع وهذه الكثرة التي تشهدها الساحة العربية اليوم سواء في إطارها الرسمي أم الشعبي ، ويندر أن تجد أي حقل أو تخصص ما لا يشهد تأطراً إتحادياً محدداً ،.. فهناك نقابات العمال والأطباء والمهندسين والمحامين ..الخ ، وهناك اتحادات الطلبة والكتّــاب والصحفيين ..الخ ، وكل هذه الكثرة تدل بما لا يدع مجالاً للشك على ضرورة مثل هذه الأُطر المجتمعية في حركة الواقع العربي .
وعندما نقول بضرورتها ، فإننا نريد إخراجها من إطار النظرة الكمالية أو العدائية التي ما زالت تطبع أذهان وسلوكيات وبرامج العديد من مستوياتنا الرسمية والشعبية ، سواء كان جهلاً يخالف الوعي أو تخوفاً يحول دون القبول أو تشكيكاً لا مبرر واقعي له ، أو استأصالاً لا يمكنه الدوام ،.. إنَّ قيام هذه الأُطر ضرورة حياتية بلحاظ تعقّد أشكال التنظيم الإجتماعي المعاصر وتعدد أوجه الأنشطة المُعبِرة عن حركيته ، وبلحاظ أنَّ الحركة الإبداعية للمجتمعات البنائية المعاصرة لا تقوم على ضوء قرار أو برنامج رسمي وكفى ، بل تتقوم وتُنتج وتُبدع على أساس القرار والمبادرة المجتمعية في حقول الحياة المختلفة ،.. من هنا كان الأساس في التقدم المجتمعي العام ؛ المبادرة البرامجية الشاملة لتفعيل القيادة المجتمعية لينظم المجتمع عملياته التحوّلية والإبداعية من خلال أجهزته ومؤسساته المتنوعة ، وعلى صنّاع القرار في بلداننا إدراك ذلك ، إذ لا يمكن إحراز أي تقدم جوهري مع استمرار سياسة وثقافة الراعي المطاع والرعية المطيعة ، ولا يمكن بلوغ النجاح من خلال احتكار البرامج والقرارات لبناء وقيادة المجتمع .
إنَّ خلق المجتمع المتقدم والدولة المقتدرة إنما هو رهين بخلق حركية نوعية تدافعية تنتجها مؤسسات المجتمع في الحقول كافة ، وليست الدولة في حقيقتها الموضوعية سوى مؤسسة إدارة عامة لقدرات وإمكانات وطاقات القوة المجتمعية وما تمتلكه من عناصر ثابتة ومتحركة .
وإذا ما سارت الدولة في خط مُعيق لحركية المجتمع ومضاد لآمال أبنائه ومعاكس لفروض واستحقاقات واقعه ، فإنها لا تلبث أن تتحول إلى قيد ينبعث المجتمع شوقاً إلى تحطيمه ، وتلك حقيقة من حقائق التأريخ لِمن يعي القراءة بعمق .
إنَّ الإستمرار في سياسة التجاهل لهذه الحقائق لا يمكنه أن يزيد واقعنا العربي إلاّ تأزماً واحتقاناً ، من هنا تتأكد يوماً بعد يوم ضرورة التغيير للبُنى التقليدية في إدارة المجتمع والدولة .
ولعل رؤى التغيير المعاصرة في واقعنا العربي أنتجت لونين من الفكر والممارسة يتجاذبان عناصر المجتمع والواقع لإجراء التحول ، وتفعيل أي منهما رهن المبادرة الرسمية لصنّاع القرار ورُشد النُخب المجتمعية الفاعلة ،.. وهما ؛ لون البديل الإقصائي الشامل لأنظمة الحكم في مجتمعاتنا ،.. ولون البديل التغييري التطوري المتناسب والتراكم التحولي القائم وفق برامجية مدروسة ومنضبطة وتصاعدية لا تعرف التراجع أو الإستغفال أو الإلتفاف .
إنَّ المحتوم التغييري القادم لا يمكننا التماس إجهاضه كل حين ، وإن استطعنا تفريغ شحنته وتأخير استحقاقاته يوماً ، فلن نستطيع إخماد بركانه دوماً ،.. وعلينا الإختيار .
من هنا قلنا ونقول بوجوب اعتماد خط الإصلاحات الجذرية المتلائمة واستحقاقات الواقع العربي الراهن ، وفي الطليعة منها تفعيل أنشطة المجتمع العربي بما يؤهل مجتمعاتنا لقيادة عملياتها التحوّلية الكبرى على مستوى الخطة والبرنامج والقرار ، لضمان إجراء التغيير –الذي هو حتمي بذاته- بأقل الخسائر الممكنة .
وفي حالة رفضنا أو عرقلتنا لتنشيط مناخات التغيير بشكلٍ سلمي ، فإننا نكون بذلك ممن يساعد في تغذية اتجاهات التغيير الدفعي العنيف وما يمكن أن يُفرزه من تهديد لكل إنجازات الدولة والمجتمع معاً .
(( 8 ))
وعلى رأس برامج الوعي والأجندة التفعيلية لأنشطة المجتمع العربي ، تأتي خطط التغيير لرؤيتنا وبرامجنا للأُطر الإتحادية والنقابية وعموم جمعيات ومؤسسات المجتمع العربي المدني أو الأهلي المعاصر ، والتي يجب إخراجها من صورتها النمطية الراهنة والمتأرجحة بين التشكيك والتجاهل والعداء ، إلى صورة أكثر وعياً ومقبوليةً وتمكيناً وتفعيلاً .
إنَّ على صنّاع القرار على اختلاف مستوياته ، والمجتمع على تنوع شرائحه ، إدراك حقيقة الدور الإيجابي الذي يمكن لهذه الأُطر أن تُحدثه في عملية التطور المجتمعي العام ، سواء ؛ في إقرار ألوان التعددية المجتمعية وما تنتجه من حركية إبداعية ، أو فيما تحققه من توازن إجتماعي يمنع من الإحتقان والتوتر إذا ما افتقد المجتمع الإطارات القانونية التي يعبر من خلالها عن آماله وطموحاته ، أو فيما تعطيه من رؤى موضوعية تلامس واقع منتسبيها مما يساعد في تفهم المشاكل على حقيقتها ويساعد في بلورة الصيغ العلاجية للعديد من مشاكل العمل والأنشطة المتصلة به ، أو فيما تخلقه من إنجازات على أساس التدافع الإقتصادي والإجتماعي والسياسي ، أو فيما تقره من تجميع للخبرات التخصصية والتوظيف المناسب لها بما يخدم حركة التطور التخصصي النوعي ، أو فيما تنتجه من تثقيف عام لمنتسبيها وما يتصل بهم ، أو فيما تهبه من تعاطي منظّم وفاعل مع قضايا مجتمعاتها وأوطانها وأمّتها ، ويكفي أن نشير هنا إلى الدور الكبير الذي تتصدى لريادته مختلف الإتحادات والنقابات والجمعيات لدعم قضايا الأمّة المصيرية من إستبداد وتخلف وهيمنة ..الخ .
لهذا وذاك كان من الضروري النهوض التأسيسي بواقع هذه المؤسسات المدنية كجزءٍ من إعادة تشكيل واقعنا العربي بما يوافق التطلعات والتحديات التي تواجه عمليات البناء والإستقرار والنمو في بلداننا ، وبما ينسجم وحركة التغيير المطلوب تجسيد فصوله وتمكين آلياته للنهوض من واقعنا الراكد ، وبما يتناغم والتحولات الدولية التي لا يمكننا غض النظر عنها طويلاً .
وبإستقرائنا للواقع الإنساني والدولي المعاصر ، نلحظ ؛ أنَّ من أهم أشكال النُظُم الإجتماعية التي تميز المجتمعات الحديثة ، بروز المنظمات غير الحكومية التي بدأت تشق طريقها من المستوى الوطني إلى المستوى العالمي ، الأمر الذي دفع المنظمات الدولية وبالذات الأُمم المتحدة لقبول مشاركة هذه المنظمات على مستوى الحوارات والمداولات في المؤتمرات التابعة للمجلس الإقتصادي الإجتماعي لمنظمة الأُمم المتحدة .
والملفت للنظر أيضاً ، تعاظم الدور الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والثقافي لهذه المؤسسات التي أخذت بتخطي الحدود الجغرافية والسياسية والإهتمام بقضايا الإنسان والمجتمع والبيئة ..الخ ، مما شكّل منها مجموعات ضغط لا يمكن تجاهل دورها العالمي في مختلف شؤون الحياة الإنسانية .
وهكذا غدت دولنا ونتيجة لغياب الدور الحقيقي لمثل هذه المؤسسات عرضة لطروحات الأنظمة الرسمية والمنظمات الأهلية في المحافل الدولية على حدٍ سواء ،.. إنَّ غياب الدور الحقيقي لهذه المؤسسات وضع مجتمعاتنا ودولنا تحت ضغوط هائلة كان بالإمكان تلافيها لو بادرنا لتفعيل مثل هذه الأنشطة المجتمعية المدنية في الداخل ( العربي ) والخارج ( الدولي ) ،.. فلم تعد ناجحة تلك السياسة الإلتفافية الإيهامية التي تمارسها الأنظمة العربية من خلال إبراز دور ومشاركة المنظمات التابعة لها في المحافل الدولية ، والتي لا تعدو أن تكون سوى واجهة تأتمر بأمر أجهزة الدولة هنا وهناك بما يُفقدها الإستقلالية وحرية القرار والمبادرة سواء في تفعيل أنشطة مجتمعاتنا الداخلية أو في ممارسة الدور الخارجي في صياغة منظومات عالمنا على اختلاف مصاديقها وأنظمتها وبرامجها .
إنَّ طبيعة الواقع وقراءة احتمالاته المستقبلية توجب الإنبعاث الواعي والشامل والمُبرمج لإحياء هذه المؤسسات المجتمعية المدنية .
(( 9 ))
من جهة أخرى ، لابد وأن تتطور هذه الأُطر الإتحادية والنقابية -على اختلاف حقولها وواجهاتها- إلى الصيغة المؤسساتية الحقيقية البعيدة عن الإرتجال والعشواء والتذبذب ، فركائز الإحتراف المهني والإلتزام التنظيمي والإنضباط القانوني والتنظيم الإداري ضمن برامج محددة وأهداف واضحة ، لهي من أساسيات نجاحها الميداني ، مما يساعد في تأهيلها لممارسة فاعلياتها الميدانية ورسالتها البنائية .
كما لابد لها وأن تشرع في تأسيس ثقافة وبرامج الإندماج التكاملي وباقي أُطر المجتمع الأخرى ، وأن تتحرر من صنمية الإطار وما ينتجه من تعصب وتناحر مصلحي على حساب الوحدة والأهداف الإجتماعية الكبرى ، وأن تتجنب آليات العمل السلطوي والدكتاتوري البعيدة عن روح وإرادة العمل الجماعي الإنتخابي ، وأن تلتزم بالعمل العلمي فيما يتعلق بالخطة والبرنامج وآليات التنفيذ .
وقبل كل ذلك ، يجب مراجعة وترتيب مرتكزاتها القيمية أو المضمونية أو الذاتية بما يتفق وثوابت مجتمعاتنا ، والتي في طليعتها ثوابت الإنتماء القيمي والوطني ،.. وذلك كجزءٍ من إعادة تشكيل صورة إيجابية جديدة تجاه هوية ودور هذه الأُطر المجتمعية الأهلية والمدنية ، تلك الصورة التي ساعدت في تشويهها بعض القيم المتبناة من خارج منظومتنا القيمية أو الثقافية أو الحضارية .
إنَّ العديد من هذه الأُطر لم تحسم وبوضوح مرتكزاتها الأساسية في جانبها القيمي بالذات ، مما ساعد في تأكيد غربتها عن المجتمع الأم ، وقوّض بالتبع رسالة ودور عمل هذه المؤسسات وما يمكن أن تهبه لمجتمعها .
ولا ريب ، أنَّ العديد من الإتحادات والنقابات وفي خضم مراحل التأسيس وأجواء التأثر بالمدارس الأجنبية قد تجاوزت مثل هذه المرتكزات وحاولت فرض التجارب الفكرية والتنظيمية للمدارس المخالفة لعقيدة وانتماء وثقافة مجتمعاتها ، فأتت بنتائج مدمرة ليس لأصحابها فقط بل لفكرة وعطاء ورسالة مثل الأُطر العملية ضمن حركة المجتمع العربي الحديث الأمر الذي زاد في حدة التناقضات الإجتماعية وساعد على مصادرة التناغم الإجتماعي اللازم لإنجاز أي تقدم .
إنَّ ضرورة هذه المؤسسات في حركة التطور المجتمعي لهي ضرورة مسؤولة وهادفة ومنضبطة وفق قواعد وأساسيات قيم وثوابت وهوية مجتمعاتنا ، إنها ضرورة بناء وتفعيل وتوجيه وترشيد للحركة الإجتماعية في تنوعاتها كافة ، وليست نافذة اختراق لكل ما هو مضاد لقيمنا ، وبوابة استيراد لكل نتاج طفحت به تجارب الآخرين ،.. فكان لابد وأن تنسجم وتتناغم وثوابت مجتمعها وتطلعاته وآماله ومصالحه ، بعيداً عن أي تبعية في الدور أو إلتقاطية في الفكر أو انحراف في الأهداف .
(( 10 ))
كما لابد وأن تتحرر هذه الأُطر من مظلة التجارب الحاكمة كجزءٍ من تحرر دورها وتكامل رسالتها وكسب مصداقيتها ميدانياً ، وهو أمر في غاية الأهمية والخطورة فيما لو استهدفنا قيام مجتمع متناغم ومستقر ومزدهر .
إنَّ من أهم خصائص هذه الأُطر اليوم ، تتمثل بكونها واجهات تفرزها الدولة وفق قناعاتها وبأوامر رسمية منها تبدأ من إخيار كادرها وتنتهي بوضع برامجها وتحديد أهدافها وخارطة أنشطتها !!
لقد صيّرتها الأنظمة من خلال هذه السياسة الصارمة ، كيانات ملتصقة بالتجربة الحاكمة بما يخدم سياساتها وخططها ، ووجودات ظلّية يُراد بها ومن خلالها إحكام القبضة على حركية التنوع المجتمعي ، وحلقة ضمن مسلسل الضبط الموجه لمسيرة التنمية والتقدم بما يوافق الرأي الأُحادي للأُطروحة الرسمية القائمة ،.. ولقد أنتج –كل ذلك- الإنتفاء والمصادرة لدورها الحقيقي الذي يُبرر وجودها أصلاً .
إنَّ تكامليتها مع مؤسسة الدولة لا يمكن أن يتأتى من خلال تبعيتها ووجودها الظلّي الباهت والفاقد لأدنى مقومات الإستقلال الحقيقي وركائز المبادرة الحرة ، بل ينتج من خلال استقلاليتها كوحدات إجتماعية مسؤولة وهادفة وناشطة في الحركة الكلية المدنية للمجتمع ، تعمل وباقي مؤسساته لخلق حركية التنمية والتطور والإبداع .
وبخلاف ذلك ، لا يمكننا خلق التوازنية المطلوبة بين أنشطة العمل المجتمعي العربي في أوجهه الرسمية والأهلية ، مما يُرشح حالات الغليان والعمل السري والعصيان المدني والتغيير الدفعي العنيف .. للإستمرار والقفز على مسرح الأحداث .
إنَّ على هذه المؤسسات والدولة والمجتمع معاً تمكين مثل هذه الأنماط من العمل المنظم والهادف بوعيٍ وتحملٍ ومسؤولية ، بعيداً عن الرؤى والأساليب المتحجرة أو الإستهلاكية أو الإستبدادية ،.. وتلك مهمتنا ككل فيما لو رغبنا بصنع غدٍ أفضل ومستقبلٍ أمثل .
* * *