حسين درويش العادلي
0046 707 53 00 92
abuhabib1@hotmail.com
تؤكد هذه الورقة على ضرورة إيجاد توازن في مسودة خطاب لائحة حقوق العراقيين ، من خلال الإشارة إلى الطرف الثاني من معادلة المواطنة ، وأعني به لائحة حقوق الواجبات .
((1))
لاشك : أنَّ من أهم عوامل نكستنا الوطنية التي جسّدتها الأنظمة المتوالية على حكم العراق ، تمثلت بحملات التربية والتثقيف والتقنين على ثقافة الواجب ، فكل مواطن يعرف لائحة لها أول وليس لها آخر فيما يترتب عليه من واجبات تجاه الدولة والسلطة والقانون والجيش والحزب والإدارات ..الخ ، في حين غُيّبت وعن عمد وتخطيط تربية وثقافة الحقوق التي يستحقّها مَن يقوم بواجبٍ ما تجاه دولته أو مجتمعه .
ونلحظ : أنَّ الدولة والسلطة قد أوجدت شبكة ممتدة من القوانين والتشريعات التي تحفظ أسوار ثقافة الواجب ، بل امتازت هذه القوانين بالشدة والصرامة لتحويل هذه الثقافة إلى إسلوب حياة ثابت يستوطن العقل والنفس والسلوك العراقي مقروناً بظلال الرعب والخوف من التمرد عليها ، لذلك ليس مستغرباً مثلاً أن تصل عقوبة مَنْ يتمرد على الواجب العسكري إلى حد الإعدام !! أو إلى عقوبة جذع الأنف ووشم الجباه لمجرد الفرار من واجب الخدمة !! بل مَنْ يقطع زراً من أزرار البدلة العسكرية يُعاقب بالسجن لمدة ستة أشهر !! أو مَنْ لا يُجسّد واجب الإحترام اللفظي فيشتم الرئيس أو أحد أفراد عائلته أو مجلس قيادة الثورة أو حزب البعث .. يُحكم عليه بعقوبة الإعدام !!!
إنَّ هذه السياسة المُبرمجة تدخل في حقيقة الأمر ضمن منظومة النظرية الدكتاتورية في إدارة البلاد ، وهي جزء من تقنية الرعب الشامل الذي تمارسه الأنظمة لحماية وجودها ومؤسساتها من الإنهيار فيما لو تساهلت في تغذية وشيوع وتمكّن ثقافة الواجب .
((2))
وكرد فعلٍ موضوعي لدى مجتمعنا ، جرّاء التعسف والإضطهاد والتنكيل والإذلال الذي تجرّعه على يد أنظمة ثقافة الواجب ،.. اتجه خطابنا تلقائياً إلى المطالبة بالحقوق .. حق الحياة ، العمل ، السفر ، التظاهر ، العمل السياسي ..الخ ، وهي حالة سايكلوجية طبيعية تُعبّر عن حرماننا من التمتع بإنسانيتنا وحقوقنا الطبيعية والوطنية . من هنا نرى أنَّ خطابنا السياسي والقانوني والتثقيفي اتجه وبقوة نحو المطالبة بحقوقنا المشروعة على أساس ثقافة الحق .
((3))
ونزعم : أننا لم نُنتج بعد ثقافة المطالبة بالحقوق ، وإنما يتجه خطابنا اتجاهاً رجائياً في أحسن فروضه ، إذ لم يؤسَّس على شكل قواعد وثوابت تُلزم نُخبنا ومثقفينا وأحزابنا بفروضها واستحقاقاتها تجاه التجربة العراقية القادمة ، ولم نُبادر مشاريعياً ومؤسساتياً لبرمجة هذه الثقافة بما يجعل منها آلية تلقائية في التفكير والسلوك العراقي بشكلٍ لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف . وهنا ، فإنَّ الجُهد الذي يبذله مؤتمركم يُعتبر رائداً في هذ المجال ، ولبنة تأسيسية يمكن البناء عليها لتشييد صرح ثقافة الحق .
((4))
إلاّ أنني ألفت عنايتكم أيضاً ، إلى ضرورة الإهتمام بالشق الثاني من المعادلة ، وهو ثقافة الواجب ، كي تستقيم لدينا دائرة المسؤولية في بُعدها الإنساني والقانوني والوطني ، فإنَّ خطاب لائحة حقوق العراقيين يعالج منظومة الحقوق المتعلقة بذمة الدولة والمؤسسات الرسمية تجاه المواطنين ، ويغفل كلياً الإشارة إلى منظومة الواجبات المتعلقة بذمة المواطنين تجاه مجتمعهم ووطنهم ودولتهم ، وهي ثقافة مبتورة لا نجد لها نظيراً في أكثر المجتمعات تمتعاً بالحقوق ، وعليه فإنَّ هذا الإغفال يُوقعنا بالإتجاه المعاكس تماماً ، فبينما تعتمد الدولة والسلطة ثقافة الواجب ، تعتمد النُخب والجماهير ثقافة الحق .
وهنا فإنَّ بناء الخطاب على أساس هذا التقابل الحاد سيُصادر محاولات بناء وخلق ثقافة مجتمعية ووطنية ناهضة ومسؤولة تعي ما لها وما عليها في حركة الحياة .
إنَّ دائرة المسؤوليات الإنسانية والوطنية دائرة متصلة ومترابطة ومتقابلة وتوالدية تقوم على أساس الإلتزام والإلزام المنتج للنظام الذي هو شرط الحضارة ، وهنا توجب علينا ذات منظومات التقدم الإنبعاث لتشريع ثقافة الواجب جنباً إلى جنب مع ثقافة الحق لإيجاد ثقافة متوازنة وسلوك متكافئ بين منظومات الحقوق والواجبات ، وبما يضمن خلق ثقافة وطنية كلية يعي فيها المواطن حقوقه وواجباته ومسؤولياته ، وهذا ما يتطلبه مبدأ المواطنة الصالحة . وهذه هي مسؤوليتنا جميعاً لإنتاج مثل هذا الخطاب العقلاني والوطني المتوازن ، سيما وأنَّ أوراق المؤتمر تتجه لمعالجة تطبيقات المجتمع المدني ، وهنا يصبح من الأمانة والمسؤولية الوطنية الإتجاه لصياغة لائحة الواجبات الوطنية جنباً إلى جنب مع صياغة لائحة الحقوق ، وإلاّ سيكون خطاباً أُحادي النظرة والإجراء والتقنين .
((5))
وعليه فإني أُلفت عنايتكم إلى ضرورة تضمين خطابكم الخطوط العامة للائحة الواجبات ، والتي أرى أهمها يتمثل بواجبات المواطنة الصالحة والمسؤولة ، ومنها :
1- الإلتزام برفض أية تجربة دكتاتورية وتحت أي مسمّى كان لقيادة الدولة والبلاد .
2- الإلتزام بالمنهج الديمقراطي في إدارة تجارب البلاد السياسية ، والإلتزام بقبول نتائج صناديق الإقتراع .
3- الإلتزام بمباديء استقلال العراق ورفض أية تبعية أو هيمنة أو وصاية أجنبية .
4- الإلتزام بوحدة الأرض العراقية ضمن الحدود المعترف بها دولياً .
5- الأتزام بوحدة الأُمة العراقية ككيان موحّد رسمياً .
6- الإلتزام بسيادة العراق الكاملة على أراضيه وموارده وثرواته وقراراته وسياساته .
7- الإلتزام بمنظومة القيم والقوانين والأنظة والتشريعات المُقرَّة وطنياً ورسمياً في ظل دولة القانون .
8- الإلتزام بعراقية العمل العراقي من الرمز والحركة والمؤسسة بعيداً عن اختراق القيادات غير العراقية لأنماط العمل العراقي .
9- الإلتزام باستقلالية العمل العراقي السياسي والإجتماعي والدّيني والثقافي الرسمي والمعارض ، بعيداً عن الإرتباط بالدوائر الخارجية .
10-الإلتزام بسلمية الحياة العراقية السياسية والإجتماعية والدينية بعيداً عن العنف والتآمر والتصفيات .
11-الإلتزام بالقيم والأُطر والمعايير الوطنية الجامعة للكُل العراقي على تنوعه بعيداً عن
الأُطر الضيّقة لتنظيم التجارب الوطنية العراقية .
12-الإلتزام بالولاء للعراق أرضاً وأُمّةً ودولةً وإقصاء الولاءات المُقزّمة للولاء الوطني .
** ** **