ثقافة العراقية بين خيارات الإستلاب أو الإنغلاق أو الإنفتاح
 

حسين درويش العادلي


تعريف الثقافة

 

   تتفاوت المدارس في تعريفها للثقافة ، فقد تعني ؛ القدرة الإنسانية الذاتية على المفاضلة والإختيار عندما يُشخّص المثقف القيمة أو الشيء أو السلوك الأفضل له والذي سلّم وآمن به في تجربته الحياتية .

   وقد تعني ؛ سبيل الإنتظام ضمن منظومة الإستمتاع الشخصي ، وذلك عندما يعرف المثقف كيف يُكيف نفسه مع سائر المواقف والظواهر الإجتماعية التي يتواجد فيها أو يمكن أن يتواجد فيها .

   وقد تعني ؛ القدرة التأمّلية التي تهب لصاحبها النظرة المنطقية الشاملة للحياة بما يُفرز معها السلوك الأمثل وسط التجربة الإجتماعية التي يحياها المثقف .

   وقد تعني ؛ الإنجازات الكبرى التي أبدعتها أية جماعة إنسانية في فترة من فترات تأريخها وفي مختلف الميادين كالآداب والفنون والعلوم والأنظمة .. الخ .

   إلاّ أنَّ التعريف الأكثر شيوعاً واستقراراً اليوم هو ذلك الذي يعتبر الثقافة على أنها ؛ الكُل المرّكب والمعقد والمتمازج لكلٍ من المعتقدات والمعارف والعلوم والقوانين والأخلاق والأعراف والتقاليد وسائر الممكنات والعوامل الذاتية والخارجية التي ينفعل ويتأثر بها الفرد والمجتمع في حركة الحياة .

   فالثقافة على هذا النحو هي : روح كلية تنصهر في بوتقتها هذا الكُل المشار إليه لتميز مجتمعاً ما بجوهرها المتميز ونكهتها الخاصة .. وهي هنا حالة ذاتية تتمايز تبعاً لتمايز مكوناتها الداخلية ، فتختلف من مجتمعٍ لآخر جرّاء الإختلاف في طبيعة وماهية هذه المكونات قبولاً وهظماً وتمثلاً عملياً .

   من هنا تتباين المجتمعات ثقافياً ، كون الثقافة ذاتها تُعتبر ناتجاً يعتمد مرتكزات بنيوية تمثل العوامل المنتجة لها ، وكلما تغيرت أو تباينت تلكم المرتكزات تغيرت معالم وملامح وآثار الثقافة المجتمعية بدورها ، فالأصالة للعوامل والمرتكزات المُنتِجة للثقافة ، والثقافة بدورها عاكس لماهية تلكم العوامل والمرتكزات سلباً أو إيجابا .

   إنَّ الثقافة هي تعبير عن العقل والروح والسلوك المجتمعي التأريخي والمعاصر ، وتجلي خارجي لنمط مكنون داخلي مرّكب تشترك في إنتاجه المكونات الأساسية المتجذّرة من معتقدات وقيم وحقائق ، ومكونات متغيرة من أفكار ومفاهيم وعادات وتقاليد ،.. فهذه وتلك هي التي تصوغ وتُحدد نظرتنا وسلوكنا تجاه الكون والعالم والحياة .

   كما أنَّ الثقافة تُغاير العلم من حيث الجنس ، فإنك لا تلحظ فروقاًُ جوهرية بين طبيب وآخر ومهندس وآخر وعالم ذرة وآخر في هذه الدولة أو تلك ، كونهم يتعاطون مع ذات الأُسس والوسط والنتائج العلمية ، ولكنك تلحظ اختلافهم في طبيعة توظيف علومهم كونياً ، فمنهم مَن يوظف الذرة لإستخدامات إنسانية خيرّة ، ومنهم مَن يصنع منها الأسلحة التي تفتك بالجنس البشري ،.. وعليه فاختلافهم لا ينتج هنا من ذات العلم بل ينشأ من نظرتهم للإنسان والحياة والكون ..الخ ، أي ينشأ من اختلاف نظرتهم وحالتهم الثقافية وما تختزنها من منظومات صالحة أو طالحة ، من هنا كانت الحالة الثقافية لأي فرد أو مجتمع هي تعبير عن نمط رؤيته الكونية للوجود والحياة بكل حقائقهما وعناصرهما ومكوناتهما .

الحالة الثقافية

 

   إنَّ الحالة الثقافية هي تجلي لصيرورة الذّات المجتمعية في تنوعاتها كافة ، على أنها حالة سيّالة في عمرها ووجودها وتشكّلها  التأريخي ، فهي عرضة للتغيّر والتبدّل والتكامل والإنحطاط ، وإن كانت تجليات تعبيراتها في التغيّر بطئية ، إلاّ أنها مستمرة وتراكمية ،.. وهذا هو حال أية ظاهرة إجتماعية ، فإنَّ تكوينها وبروزها على السطح لا يحدث بشكلٍ دفعي ومفاجيء بقدر ما تنمو من خلال عمليات التراكم والخبرة والتحوّل لتظهر أخيراً على السطح ، فتتجذّر أو تختفي تبعاً لعواملها الذاتية الخاصة وظروف الواقع الخارجي المحيط بها .

   من هنا فلا استقرار تأريخي لأية حالة ثقافية بالمعنى الجوهري ، فهي سيّالة وضمن حركية دائمة في عمليات الأخذ والرد والقبول والرفض والإقتباس والتمثيل .. في وجودها وتموضعها الخارجي .

   على أنَّ سيولة الحالة الثقافية لا ينفي استقرار بعض المضامين الجوهرية للثقافة ذاتها ، ونُريد بالمضامين ما يتصل بالمنظومات المعيارية كما سيأتي الحديث عنها ،.. وهنا فإنَّ السيولة هنا تتناول المتغير من عواملها ومرتكزاتها ، وأيضاً تتناول طبيعة حركة الوعي والتطبيق للمنظومات المعيارية على أرض الواقع ، فحركية الفهم والوعي والتطبيق لما يتصل بالجانب الثابت من الثقافة ، وحركية التغيير والتبدّل لما يتصل بالجانب المتغير من الثقافة تُشكّل سيولة الحالة الثقافية في عمر أية تجربة إنسانية ككل .

 

سلطة الثقافة

 

   الثقافة وفق التعريف الشمولي الذي قدّمناه - هي القوة المهيمنة والموجهة للشعور الفردي والجماعي بشكلٍ وآخر سواء في مظاهرها السلبية أو الإيجابية ، فهي المُشكّلة للكينونة بما تمثله من مضمون وتيار ، بل هي خير تعبير عن العقل الجمعي المتولد عن ذلكم التيار ،.. إنها هي التي تصوغ الفكر والسلوك والتجربة التطّبعية بما تمتلكه من سلطة يجعل الخضوع لآلياتها خضوعاً تطبعيّاً في اللاوعي قبل الوعي ، مما يُفرز الفكر والسلوك والتجربة المتناغمة وإيحاءاتها بشكلٍ وآخر ، وتلك هي ميزة الثقافة وما يمكن أنَّ تخلقه من جو ضاغط يمثل توجيهاً إرادياً وعفوياً لجمهورها صعوداً أو هبوطاً في سلّم الحياة .

   ويجب أن لا نحكم من خلال هذا القول ، بأنَّ للثقافة سلطة قسرية جبرية لا تعرف التخلف !! فهذا مما يُخالف ذات الطبيعة الذاتية المتحركة للثقافة ، وأيضاً لقدرة الفرد والشريحة والمجتمع على تغييرها الكُلي أو الجزئي ، وهذا دليل على سلطتها غير الجبرية ، فمجرد رفضها وتغييرها من قِبل المُغيّرين والمصلحين والروّاد .. يُحكَم على نفي قسريتها في حركة الحياة ، والتأريخ والواقع يُثبت ذلك ، إذ نلحظ تغيّر الحالة الثقافية من طور لآخر في عمر التجارب الإنسانية ، والتغيير ينفي القسرية والحتمية كلياً .

   ولكن هذا لا ينفي قوة الثقافة وسلطتها الذاتية في تشكيل الوعي والسلوك والذوق والخط العام لمنتسبيها ، لأنها تعمل كروح عامة موجّهة للوجود الجمعي ، كونها عُصارة وعيهم وتطبّعهم وذوقهم ، وما أن تُوجد حتى تعمل وتفعل وتُنتج .. من هنا كانت ومازالت الثقافة مصدر النهوض أو السقوط المجتمعي ، فما الأعمال والسلوكيات والتموضعات الذاتية والجماعية سوى صدى للفكر والتصور والقناعة والسلوك والعادة والتجربة .. الثقافية .

 

تدمير الذّات الثقافية

 

   ولأهمية الثقافة في صناعتها وتوجيهها للوجود المجتمعي ،كان من الضروري إعمال الوعي في تعاطينا وخضم تيارها وسلطتها ، كي لا ندمر الذّات من خلال تدمير الثقافة ذاتها عن طريق الجهل بثوابتها ومعاييرها ومرجعياتها ، أو الجهل بمتغيراتها واستحقاقاتها ، فمثل هذا الجهل هو جهل تدميري ، فليست عوامل التدمير لذاتنا الثقافية ومن ثم للذات الكلية للأمّة العراقية حكراً على عوامل الفقر الذاتي للثقافة أو فشلها في تلبية الحاجات الإنسانية المتنوعة ، أو في محاولات التحريف المقصود والتشويه المتعمد لمرتكزاتنا الثقافية عن طريق السعي لإستبدال ثقافتنا بالوافد أو المستورد من الثقافات الأجنبية وحسب ،.. بل المشكلة الأخطر تكمن في الجهل البسيط والمرّكب بالمكونات الأصيلة لهذه الثقافة وطُرق وعيها وتوظيفها وتمثلها حياتياً ، وأيضاً في العجز عن قراءتها المتجددة على ضوء حركية الواقع واستحقاقات فروضه المتغيرة ، فكما أنَّ الإستلاب الثقافي يقضي لا محالة على الذّات لأنه يسلخ الأُمة عن تأريخها وجذورها وقيمها ومرجعياتها الكلية ، كذلك فإنَّ الإنغلاق والإنكفاء الثقافي على الذات يقضي على حيوية الأُمّة وتجددها المستمر اللازم للإندماج بحركية العصر ، وأيضاً فالتعاطي والثقافة بإنسيابية استسلامية أو تزكوية مفرطة بعيدة عن مناهج وآليات التهذيب المستمر والمراجعة البنائية الدائمة ، سيخلق عقبات حقيقية تُعيق نمونا وتقدّمنا الحياتي .

   إنَّ مشكلة تدمير الذّات الثقافية تكمن في الإستغراق بشعور الغنى المطلق بثقافتنا بعيداً عن التواصل والإستفادة والتوظيف لعطاء الثقافات الإنسانية الأخرى ، وتتجلى أيضاً في حالات الإستغراق بشعور الإنبهار والإنصهار بالثقافات الأخرى على حساب قطع الوصل والجذر والإنتماء بمنظوماتنا الثقافية ، إضافة لذلك فإنَّ معوقات علمية القراءة الجريئة والنقدية والإصلاحية للذات الثقافية وانتفاء آليات تقنينها البرامجي في مختلف تموضعاتها الحياتية يخلق العديد من حالات الإرباك والتراجع في عمليات التشييد الوطني الجديد ،.. وكل هذا وذلك يقود لا محالة إلى تدمير الهوية والكيان ، من خلال تدمير الذّات الثقافية .

 

تلمّس الخارطة الإدراكية للثقافة

 

   نقول ؛ إنَّ تلمس الخارطة الإدراكية لثقافتنا كمصادر لهو أمر لازم كي نتبين المرتكزات الحقيقية من الإعتبارية ، فندرك عناصرها الثابتة من المتحركة في خضم تيارها المشهود والمنشود . فأي وعي للذّات الثقافية في عناصرها كافة ، أو أية محاولة لفتح قنوات التعاطي مع الثقافات الإنسانية الأخرى ، يجب أن تنهض وتستند إلى وعي حقيقي بمرجعياتنا الثقافية من حيث الأُسس والرؤى والتطبيقات فيما لو أردنا نهوضاً ثقافياً حقيقياً بعيداً عن الإستلاب أو الإنغلاق أو الإجترار .

   وهنا ، فإننا لا نجد مرتكزاً حقيقياً وثابتاً في منظومتنا الثقافية غير المرجعيات الدينية والإنسانية كمنظومات عقدية وقيمية تُشكّل أساساً ثقافياً ميّز أُمتنا العراقية في صيرورتها القديمة والحديثة ، لذا فهو ثابت ثقافي بلحاظ قيموته وواقعيته وحضور استحقاقاته العملية في الحياة العامة العراقية على اختلاف تنوعاتها ،.. وما عدى ذلك من أفكار ومفاهيم ورؤى وسلوكيات وعادات وتجارب فهي داخلة ضمن إطار المتحرك والمتغير الثقافي الإجتماعي .

   وقولنا بثبات المرجعية القيمية الدينية والإنسانية ، نريد به هنا الثبات المعياري ، على أساس أنَّ المباديء المعيارية تعتبر عماد التنظيم المجتمعي ، إذ لا يمكن تصور وجود أية ثقافة دون وجود القيم المعيارية التي تنتظم من خلالها العمليات المجتمعية لأنها عبارة عن القواعد المقننة للثقافة بشكلٍ تلقائي غير تكلفي بالمرة . وأيضاً لكونها مقياساً بذاتها توزن وتُقاس بها الأفكار والسلوكيات والتجارب الثقافية ، فكيف يجوز لنا ممارسة النقد مثلاً وإنتاج البديل الأمثل تجاه أية مفردة ثقافية أو الإنبعاث لتأسيسات ثقافية مجتمعية دونما مرجعيات حقيقية تستندها عملية النقد أو الدلالة أو التأسيس ؟ كيف لنا أن نحكم على مفردةٍ ثقافيةٍ ما بالتخلف أو التقدم ، والهدم أو السلبية ، دونما ثوابت معيارية وقيمية نعرض عليها تلكم المفردة لنستنتج مشروعيتها أو بطلانها ثقافياً ؟ وهي مسألة معرفية بذاتها ، تقضي بوجود أُسس تعتمدها أية تجربة ثقافية ، وبخلافه ستسود الفوضى النافية لأية وحدة أو انتظام ثقافي مجتمعي .

 

وحدة الجوهر المعياري الديني والإنساني

 

   إنَّ القيم المعيارية الدينية والإنسانية تتحد في جوهرها من حيث تطابقها في الأساس والغاية ، فقولنا بثبات هذه القيم المرجعية استناداً إلى معياريتها لا يُعتبر تكلّفاً وإرهاقاً للحالة الثقافية ، ليس فقط لتطابقه مع الواقع العراقي ، بل أيضاً في تناغمه الذاتي النافي للإغتراب بين منظومات القيم الوحيية والعقلية والفطرية ، إذ إننا نؤمن بالتطابق على أساس قواعد الحُسن والقبح العقلي ، من هنا قُلنا (( أنَّ العقل بيانٌ من الداخل ، والشرع بيانٌ من الخارج )) ، وأنَّ (( ما حكم به العقل يحكم به الشرع ، وما حكم به الشرع يكم به العقل )) ، وأنَّ (( السّمعيات ألطاف العقليات )) ، فهذه المقولات وغيرها تأتي للدّلالة على الوحدة النوعية بين هذين الجوهرين (( الوحي والعقل )) دون أي اغتراب ، فلا وجود لقيمة دينية لا تمتلك ترجيحاً عقلياً ، والعكس صحيح ،.. وعليه ، فإننا لا نمتلك مشكلة حقيقية على صعيد وحدة المعيار الديني والعقلي لأية حالة ثقافية قائمة أو مؤمّلة ، والذي يعتقد بوجود معضلة بين المعيار القيمي للدّين أو العقل في تقييم وترشيد أية حالة ثقافية ، إما أنَّ له مشكلة مع الدّين أو معضلة مع العقل كطبيعة ودور وغاية لكلٍ منهما ، ويجب ألاّ نصغي إلى تضخيم بعض الجوانب السلبية المتصلة بإبراز بعض المفاهيم أو الأفكار المتخلفة أو المُتشددة في الثقافة العامة المطروحة لنحسبها على الدّين أو العقل ، فذلك جزء من تخلف الوعي والتمثّل لفروضهما في حركة الواقع الثقافي ، ولعل من أهم خصائص المشروع الثقافي المؤمّل تنقيتهما مما لحق بهما من خرافة أو تجهيل أو سطحية أو انزواء أو تحريف أو اعتياش .

   وما يهمنا هنا ، هو تلاقي وتناغم جوهر القيم الدينية وجوهر القيم الإنسانية في إدراكهما للحُسن والمنفعة والغاية النبيلة لصنع إنسانٍ ومجتمعٍ فاضل ورشيد ومتقدم ، وهذا هو جوهر أي مشروع ثقافي يُراد من خلاله تشييد تجاربنا الإنسانية والوطنية كبُنى تحتية تهب القدرة على صُنع بدائل صالحة ومتطورة في حركة الحياة .

 

المشروع الثقافي

 

   إنَّ جوهر المشروع الثقافي لأي مجتمع يتلخص : بما يجب أن يكون ، وبما يجب أن يكون هنا يعني ما يجب أن يكون عليه الإنسان والمجتمع والدولة وعموم قضايا وشؤون وتموضعات الحياة الثقافية على أساس التعريف الذي قدّمناه للثقافة بمفهومها الشامل .

   وعليه كان لابد للمشروع الثقافي المؤمّل أن يعي شروط الواقع وإمكانات النهضة وأدوات التغيير ، وفي العمق من ذلك مقومات الهوية وعناصر القيم المرجعية وطبيعة الواقع المحتضن للمشروع الثقافي وشدة الوعي للحداثة ونتاجاتها الإيجابية ،.. وإلاّ سيهزمه الواقع ذاته ، فأي جفاء أو خصومة أو محاربة للعناصر الأصيلة للواقع ، أو أي تخلف في وعي الحداثة .. سيُدخل الواقع والمشروع في نزاع استئصال متبادل ، وهذا ما يقضي على أي مشروع ثقافي نهضوي .

   كما أنَّ المشروع الثقافي النهضوي لا يعني تنكّره للعناصر الأصيلة في الهوية الثقافية للمجتمع ، فنهضويته التي تتطلب انبعاثاً لا تتأتى بنظرنا من شُبهة ركود وثبات عناصره الأصيلة كما يحلو للبعض تصويره ، بقدر ما تتأتى من الفشل في وعيها من قِبل روّاد التحديث ، أو في التقوقع عليها من قِبل روّاد الأصالة ، أو في العجز عن تفعيلها البرامجي وتنميتها من خلال عمليات الإنفتاح والإستفادة والتوظيف للثقافات الإنسانية الأُخرى المتصلة بنا ، فمشكلة المشروع الثقافي لدينا تكمن أساساً في معضلات وعي عناصر الأصالة والحداثة والتنمية الإنسانية الشاملة ، وغالباً ما تُصب جهالات أو لعنات الروّاد على عناصر مجتزءة من المشروع الثقافي دون نهوضهم لإبداع مركّب جامع لعناصر الأصالة والحداثة لإنتاج تجاربهم النهضوية .

   إنَّ وعي الإنسان بالإنتماء إلى أي مشروع ثقافي لا يتم إلاّ بالهوية الثقافية الجامعة لعناصر الأصالة والحداثة والمُندكّة بالواقع الفعلي المتحرك إنفعالاً وتفعيلاً ، ضمن وعي للذات وإدراك للواقع وقدرة على التفاعل والتأثير والتأثّر والتبادل والتناغم ، وهذا ما يُنتج الحضارة والتي هي تعبير ونتاج عن الفعل التأريخي والمندك بالواقع وعياً وتوظيفاً .

   أقول ، لا وجود لإمكانية تحرير المشروع الثقافي أياً كان من الهوية الثقافية للمجتمع وبالذات في عناصر الثابتة المتصلة بقيمه المعيارية ، وكل جهد خارج هذا الإطار سيُعيد أزمات اضطراب الذّات البُنيوية العراقية لسابق عهدها مما يستحيل معه إحراز تقدم ثقافي ناهض ورائد ،.. إنَّ إنتاج أي مشروع ثقافي حداثي ونهضوي حقيقي لابد وأن يعتمد قيمنا وإمكاناتنا وقدراتنا الذاتية المنفتحة على العصر والواعية والموظِفة لعطاءات الثقافات الإنسانية الأخرى .

 

الخصوصية الثقافية

 

   لكل مجتمع من المجتمعات الإنسانية خصوصيته الثقافية وفرادتها في التميّز والدور والأثر على مسرح التأريخ ، فالخصوصية هنا تعبير عن ذات المجتمع وماهية الأُمّة في طبيعة عناصرها ومقوماتها ، وهي حصيلة وجودها وفعلها التأريخي سلباً أو إيجابا ، من هنا تُشكّل الخصوصية الثقافية أحد أهم ميزات المجتمعات وبالذات المجتمعات العريقة الضاربة بجذورها في أعماق التأريخ ،.. وعليه فمنهج الشطب والإلغاء للخصوصية والإرث والحالة الثقافية منهج خاطئ ليس فقط في نظرته العلمية والموضوعية بل في وعيه للتأريخ والواقع أيضا .

   إنَّ الخصوصية بكل أنساقها الذاتية جزء لا يتجزأ عن الذّات المجتمعية في صيرورتها وتحولاتها المتتالية ،.. من هنا فأي مشروع ثقافي يعمل بالضد من هذه الخصوصية سيؤدي إلى نفور المجتمع ، ويقود إلى المقاومة لا محالة .

   ومع أنَّ الثقافة - وكما قلنا - تُعتبر حالة سيّالة في عمرها الوجودي ، إلاّ أنها وبعد تشكّل خصوصيتها الذاتية التأريخية فإنها تحرص على نواتها الذاتية بكل قوة فترفض وتُقاوم أي انتزاعٍ لعناصرها الذاتية الأصيلة خاصة في أجواء الفرض ،.. وعليه لا تزيد محاولات الفرض لنسق ثقافي معين على أي واقع ثقافي عريق سوى إصراراً وتحدياً على المقاومة .

   من جهة أخرى ، يجب على مثقفينا إدراك استحقاقات تميزنا الثقافي والذي هو حصيلة فعل تأريخي جبّار وعميق ومتنوع ، والعمل وفق فروض هذه الإستحقاقات بنفس القوة الدافعة إلى التحديث والملائمة مع استحقاقات الحداثة ونتاج الثقافات الإنسانية الأخرى ، ويجب التخلي كلياً عن العقلية التي تقول : بأنَّ ثقافتنا سيئة وثقافة الآخرين حسنة ، فهذه المقولات في الوقت التي تُعبّر عن جهلٍ أو إنبهار أو استلاب .. فإنها تُعبّر في نفس الوقت عن زيفٍ معرفي وموضوعي يُراد له التأسيس والحقيقة على أرض الواقع ، وتُدلل عن نَفَسٍ مُعبّأ ومنحاز لا يجود بغير اضطراب والإصطدام مع الذات أولاً والآخر ثانياً ،.. من هنا نجد أنَّ أكثر الناس عداءاً للتعايش الثقافي بين الثقافات العالمية المختلفة والمتنوعة هم دعاة الإستلاب أو رواد الهيمنة ، فكلاهما يؤسسان لصراع الثقافات من خلال تخطي وازدراء الخصوصيات الثقافية للشعوب والأُمم .

  

صراع الثقافات

 

   وهنا نفهم : أنَّ صراع الثقافات يتأتى في أغلبه الأعم من ذهنية وخلفية الفرض الثقافي لثقافة ضد أُخرى بما لا يحترم الخصوصيات الثقافية لأي مجتمع ، فالصراع الثقافي هو تعبير جلي عن عقلية الإقصاء والنفي والإلغاء للآخر الثقافي سواء داخل الكل الوطني في تنوعاته الثقافية القائمة على الأُسس الدينية والطائفية والعِرقية والمناطقية ، أو في إطار الصراع الثقافي بين الأُمم الإنسانية المتنوعة .

   إنَّ فلسفة الصراع الثقافي تكمن في الجهل بفلسفة التنوع القائم على الإختلاف الذاتي بين ما هو فكري أو عِرقي أو ذوقي .. الإنساني بين الأفراد والجماعات والأُمم ، باعتبار أنَّ الإختلاف هو الذي يُنتج الحركة الإنسانية على تنوعها ، لأنَّ التشابه والتماثل يقضي على حركية الحياة ونموها وتقدمها ، من هنا فالجهل بضرورة هذا الإختلاف يُغري بوهم التفرد لثقافة قومية أو ايديولوجية أو حضارية معينة على حساب ثقافة أُخرى مما يُنتج الصراع بينهما ، وأيضاً فإنَّ الفشل في قبول هذا الإختلاف عملياً بما يحفظ للآخر كينونته وخصوصيته سيقضي على إمكانية التعايش فيقود إلى التصادم بالتبع ، كذلك فإنَّ الفشل في إيجاد لغة مشتركة تُتيح التفهم والتفاهم المتبادل سيؤدي إلى الإنغلاق ثم الجهل بالآخر فالتنافر فالصراع بينهما ، وأيضاً فالإنقطاع عن تحري فرص التعاون المثمر سيُقلل من فرص التناغم الحضاري بين الكيانات الثقافية المتنوعة مما يقود إلى العزلة فالتصادم ،.. ويجب ألاّ ننسى أيضاً حمّى الأطماع وهستيريا الغرور في تأجيج صراع الثقافات ، فامتلاك وسائل القوة غير المنضبطة بالوعي والقيم والأخلاقيات تقود لا محالة إلى الفرض أو المسخ أو الإسئصال الثقافي المتبادل ، فينشأ الصراع الثقافي والحضاري بالتبع كنتيجة لمحاولات تجاوز حق الآخر في خصوصياته الثقافية والحضارية .

   إنَّ تغذية فلسفات العُزلة الثقافية المنغلقة عن العالم ، أو الداعية إلى التفوق جرّاء ازدرائها للآخر الثقافي ، أو القاضية بوجوب الهمينة على الآخر الحضاري بما ينفي حقه في الخصوصية والذاتية الثقافية ،.. لهي من أهم عوامل صراع الثقافات والحضارات بين الأُمم الإنسانية ،.. لذا فالإنسانية في تطبيقات حرب الثقافات واقعة في الحقيقة بين سندان الإنغلاق الثقافي النافر من أية محاولة للتعايش الإيجابي بين الثقافات ، وبين مطرقة الفرض والهيمنة الثقافية الداعية لإستئصال الخصوصيات الثقافية للأمم الأُخرى ، والخاسر هي الإنسانية في مرتسمات تعايشها وتناغمها وتعاونها المتبادل لإنجاز أدوار السلام والأمن والتقدم الإنساني المشترك .

 

تكامل الثقافات

 

   وبدل الصراع الثقافي المُغذّى بفلسفات التمييز الأجوف أو الإنغلاق الأعمى أو الهيمنة الجائرة ، تطرح الإنسانية الفاضلة والواعية والداعية لعالمٍ أفضل ، تطرح مبدأ التكامل الثقافي ، كأساس وقاعدة تستندها الأُمم في شبكة علاقاتها الداخلية بما يرتقي بذاتها الوطنية الزاخرة بالتنوع الثقافي ، أو في شبكة علائقها الخارجية مع بقية الأُمم الإنسانية بما يُنتج أفضل صيغ التعايش المثمر والبنّاء والهادف .

   إنَّ التكامل الثقافي الحقيقي يؤسَّس على احترام الخصوصيات الثقافية الذاتية للمجموعات والأُمم الإنسانية المتنوعة ، إذ لا يمكنه أن يعمل في ظل قواعد التبعية أو الإستلاب أو الهيمنة اللاغية أو المحتقرة للآخر ، فهو ينتج بفعل عوامل الإعتراف بالآخر والإحترام لحقه في الإختيار والحياة ، سيما وأنَّ الخصوصية الثقافية هي تعبير عن الكينونة الحضارية المُشكّلة لوجود الجماعات والأُمم ، وهنا فلا سبيل أمام هذا التنوع الثقافي للجماعات والأُمم سوى الصراع أو التكامل ، والأول سيُدخل الإنسانية في إطار علاقاتها الداخلية والخارجية في مسلسل التصادم والتحارب ، والثاني سيقود البشرية إلى التناغم الإيجابي بما يُعمّق من أنسجة السلام والتعاون لإنجاز أدوار الحياة الصالحة ذات النفع العام والمشترك ،.. من هنا نفهم سر هذا التعارض الإنساني القديم – الجديد والذي أنتج كل هذا التطاحن البشري المُترجَم كنـزاعات دائمة وحروب مستديمة ، فقد ارتكز في عمقه على فلسفة الصراع بدل فلسفة التكامل ، وبالذات للحلقات الأضعف في مضمار القوة السياسية والإقتصادية والعسكرية ،فلا تلبث الثقافات المدعومة بآليات القوة من ترجمة نزاعاتها الإقصائية على شكل تدمير للذوات الثقافية والحضارية الأضعف ، لتُجسد في سلوكها هذا منطق ثقافة القوة لا منطق قوة الثقافة .

   إنَّ أي حلم أو أمل في سيادة صيغ التعاون والتناغم والتآلف والتعايش الإنساني لا يمكنه من التحقق الفعلي دون اعتماد قيم وبرامج التكامل الثقافي والحضاري بين الشعوب والأُمم على أساس احترام الآخر وخصوصياته وخياراته في الحياة ، ومثل هذه القاعدة هي المُنتجة للتلاقح الثقافي بما توفره من فرص التماس والتعايش ، وهي الممهدة للتأثير الحضاري المتبادل على أساس الإحتكاك الدائم بين الوجودات الحضارية ، وهي الخالقة للتحدي الحضاري السلمي عن طريق تحفيز الثقافات والحضارات لنيل ناصة التقدم بما تخلقه من مناخ استجابة لتحديات السباق الحضاري ، وهي أيضاً المستدعية لأنظمة الأمن والسلام والتقدم البشري العام والشامل المُنتَج على أرضية الإنفتاح الثقافي الدائم والمشترك .    

 

التأصيل الديني للإنفتاح الثقافي

 

   يتوهم بعض رواد الخط الديني بفكرة أو سياسية الإنغلاق الثقافي على أساس دعاوى الحفاظ على الأصالة ونفي تأثيرات الغزو الثقافي وما قد يُنتجه من مسخ أو إقصاء لمنظومات هويتنا الثقافية العراقية ،.. وهي دعوى إضافة إلى استحالة تحقيقها العملي جرّاء التداخل الإنساني الحادث بسبب ثورات الإتصال والإعلام الفضائي الكوني مما يجعل العزلة أمراً يكاد يكون مستحيلاً ، وأيضاً لغفلتهم عن أنَّ الإنعزال يقضي على إمكانية خلق حركية الإستجابة على ضوء أرضية التحدي الذي تجود به عمليات الإنفتاح والتفاعل الثقافي ، حيث لا يمكن تحقيق التفعيل والتطوير دون وعي الآخر وإدراك فاعلية وأسباب نهضته وشروط تقدمه .. وهي أمور لا يمكنها التحقق من خلال إيثار العزلة والإنغلاق الثقافي ،.. أقول : إضافة إلى ذلك ، فإنَّ ذات منظومات الفكر الديني لا تعترف بشيء اسمه الإنغلاق الثقافي عن الآخر ، ليس لأنه يقضي على إمكانية الإمتداد والإنتشار والتأثير في الحركة الإنسانية فقط بل لأنَّ ذات منظومات الفكر الديني في قواعدها الأساسية لا ترى للإنغلاق من شرعية فكرية .

   إنَّ الأساس النظري الذي يطرحه الدّين لنفي الإنغلاق وتأكيد الإنفتاح الثقافي ، يقوم على أساس قاعدة (( التعارف )) التي تُعتبر من أهم قواعد القيم الدينية في تنظيم صيغ التعاون الإنساني في جوانب معرفة الآخر وتأسيس قواعد الحوار والتعاون معه .

   ولعل خير مصداق لتأكيد هذه القيمة ، ما جاء في الآية المباركة { يا أيّها النَّاس إنّا خَلَقنَاكُم مِن ذَكَرٍ وأُنثى وجَعلنَاكُم شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أكرَمَكُم عِنَدَ اللهِ أتقَاكُم إنَّ اللهَ عَليمٌ خَبير } 13 الحُجُرات ، إذ تؤكد هذه الآية على جملة من الحقائق التي تقود بالتبع إلى حتمية التعارف كقاعدة تستندها أنشطة الجماعات والأُمم الإنسانية المتنوعة بما تنتظم بها ومن خلالها صيغ علائقهم ،. ومن جملة هذه الحقائق :

   أولاً : وحدة الإنسانية من حيث المصدر ، إذ أنَّ البشرية بأجمعها تنحدر من مصدر واحد في الخلقة وهو الله تعالى ، ومن سبب موضوعي واحد في التناسل والتكاثر وهو الذكر والأُنثى ( آدم وحواء ) ، وهذا الإتحاد بالمصدر والسبب في الوقت الذي يؤكد وحدة النشوء ، فإنه يلغي أي تراتب زائف تضعه الإنسانية فيما بينها ، فكل قيمة أو مبدأ أو نظرية تحاول تقسيم الإنسانية وتجزئتها خلقياً بسبب اللون أو العِرق أو الإمتياز أياً كان ، فإنه مرفوض دينياً لأنه يصطدم مع وحدة النفس الإنسانية التي تعود لمنشئٍ واحد لا يعرف التمايز المصطنع الذي تضعه الذوات الفاقدة للسماحة أو اللاهثة وراء الإمتياز من خلال العبث بوحدة هذا الخلق وتساويه في الطبيعة والحق والواجب ، ودليل ذلك اللغة التي استخدمتها الآية المباركة إذ أُفتتحت بخطاب عام للنّاس دون أية فوارق أو تمايزات ذاتية أو خارجية مُكتسبة لاحقاً { يا أُيّها النّاس } ، لتؤكد وحدة مصدر الخلق { إنّا خَلقنَاكُم } ، ولتؤكد وحدة السبب الموضوعي في إنتاج التكاثر { من ذَكَرٍ وأُنثى } ، والهدف هو توكيد الوحدة الإنسانية ،.. من هنا فلا قيمة لأي اعتبار زائف يُصادر هذه الوحدة التكوينية للإنسانية .

   ثانياً : الجعل التكويني للتنوع الإنساني ، فالآية المباركة تؤكد أنَّ التنوع الإنساني القائم على أساس الشعوب والقبائل هو حقيقة خلقية غير زائفة أو مصطنعة ، فالجعل هنا { وجَعلنَاكُم شُعُوباً وقَبَائِلَ } هو جعل تكويني أي خلقي مقصود من الله تعالى ، وهذا الجعل يؤدي بالضرورة إلى التنوع الإنساني على أساس النّسب والتكوين والتشكّل في كل مقطع زمني من حياة الإنسانية عبر التأريخ ، وهنا فهذا التنوع يُعتبر جوهر حقيقي لا يستمد وجوده من الإعتباريات الإنسانية الناتجة عن المواضعة أو الإنتزاع بل يستمد وجوده من الخالق الموجد لهذا الجعل التكويني  ، فالخالق تبارك وتعالى هو الجاعل هنا ، أي هو الخالق لهذا التنوع الإنساني .

   ثالثاً : الحركة والفاعلية كعلّة لهذا التنوع ، فهذا التنوع الخلقي { شُعُوباً وقَبَائِل } يقوم على أساس قاعدة كونية كُبرى تعتبر الإنسان مطلق الإنسان جزءاً من منظوماتها الوجودية ، وهي : أنَّ الكون لا يمكنه الحركة والفاعلية إلاّ وفق قواعد وآليات التنوع ، فالتشابه يقضي على إمكانية نشوء الحركة والتدافع الكوني والوجودي المطلوب لنشوء الحياة ،.. فهل يمكن أن نتصور نشوء حياة ما مع تشابهنا التكويني وتماثلنا المضموني ؟ وهل يمكن تصور حركية كونية مع قيمومة التماثل الكوني في النوع ؟ أبداً ، فذلك سيقود إلى استحالة إبداع أو إنشاء أية حركة كونية وتجربة إنسانية ، من هنا لزم التنوع القائم على التفاوت .

   وإذا كان التنوع هو جوهر الحركة والفاعلية الإنسانية ، فما هو السبيل لحل مشكلة اختلاف الذوات المتشكّلة بفعل التمايز المُنتَج على أساس التنوع ؟ فستتمايز كينونة الأول عن الثاني عن الثالث … في رحم الحياة ، وسيأخذ هذا التمايز أشكالاً متعددة في التعبير عن ذاته معرفياً وثقافياً وتجربياً ؟

   رابعاً : حقيقة التعارف ، وهنا يطرح الدّين مبدأ التعارف كأساس تلتقي عليه وحوله الذوات الفردية والأُممية لتوجيه هذا التنوع الضروري كي يكون رحمة لا نقمة ، من خلال إنتاجه لقواعد التلاقي والتناغم والإشتراك في مركب الحياة لإنتاج أدوارها وتجاربها الإنسانية .

   إنَّ الأداة والآلية الموضوعية لإنفتاح الشعوب والأُمم الإنسانية المتنوعة على بعضها البعض يستند في العُرف الديني على قاعدة التعارف { لِتَعَارَفُوا } كأساس تنفتح من خلاله أبواب التلاقي والتناغم والتعاون لإقامة تجارب الخير والعدل والفضيلة بين الجماعات الإنسانية ، فالتعارف وفق هذه الرؤية إنما هو حقيقة موضوعية تنتج عن التنوع ، فلولا التنوع لإنتفى التعارف ، فلا قيمة له إلاّ مع هذا الجعل التكويني الذي ميّزنا إلى شعوبٍ وقبائل وأُمم ، فيكون التعارف هو الإطار التبادلي في المعرفة والتأثير والإستفادة ضمن تدافعية هادفة ونامية ومُنتجة .

   خامساً : حقيقة الكرامة ، إذ أنَّ الشرف والمنـزلة الواهبة للكرامة الحقيقية في ساحة الوجود تتأتى من خلال تجسيد القيم والفضائل على صعيد الذات والمحيط الإنساني بغض النظر عن أُطر الإنسانية من شعب وقبيلة وأُمّة ،.. والتقوى { إنَّ أكرَمَكُم عِنَدَ اللهِ أتقَاكُم } في العُرف الديني هي العنوان الجامع لكل المباديء والقيم والفضائل والأخلاقيات الصالحة والسليمة والحقة  في حرم الحياة . وعليه فدرجة وميزة التقوى لا تُنال بتحكيم الأُطر الضيّقة أو القيم الهابطة التي يعتمدها البعض من لونٍ وعِرقٍ وطبقة ، بل تُنال من خلال إقرار مباديء التكافؤ والمساواة والفضيلة الإنسانية ونبذ أية فوارق تُجزّء الإنسانية سواء في مصدر خلقتها أو في تعاونها وتكاملها عن طريق إقرار التعارف بينها ، كون أنَّ أية فوارق تُوضع بين أفراد وجماعات الإنسانية أو تقف حجر عثرة أمام تعارفها .. لا تُنتج سوى تأزّم واحتقان وتضارب الإنسانية ككل ، وهو خلاف غاية الخلق ومهام الإستخلاف الإلهي لهذا الكائن المطلوب استعماره في الأرض { .. هُوَ أنشَأكُم مِّنَ الأرضِ واستَعمَرَكُم فيهَا .. } 61 هُود .

   لذا ، فإنَّ التعارف الإنساني هو ذاته الإنفتاح المطلوب إقراره بين الجماعات والشعوب والأُمم الإنسانية ، ومصاديقه تتعدد بتعدد موارد ودوائر وتطبيقات التعارف ، وعلى رأسها الإنفتاح الثقافي كونه يهب القدرة على فهم الآخر وتحري فرص التأثير والتأثّر المشترك وصولاً لإقرار تجارب الخير والعدل والمساواة بين الشعوب الإنسانية .

 

الأُمّة العراقية والخيار الثقافي الجامع

 

   الثقافة العراقية في مراحلها القادمة تقف على مفترق طرق حاسم ، فهي أمام خيارات مصيرية ستُحدد مستقبلها المنظور دونما ريب ، وبالذات بعد خروجها من ركام الكارثة الصّدامية التي أودت بحياة العديد من مرتكزاتنا الثقافية بفعل قسوة السحق والتجهيل والعسكرة والحروب والمحن والأحزان .

   إنَّ تدويل قضايانا الوطنية ، إضافة للتداخلات والإختراقات والمصالح المعقدة التي اثقلت وستُثقل كاهل برامجنا الوطنية في اتجاهاتها كافة ، وما تعانيه منظوماتنا الثقافية من تخلخل في البُنية واضطراب في الإتجاه بفعل ثقل الأزمة وإرهاصاتها وتبعاتها ،.. يجعل من تحديد الخيارات الثقافية من أهم وأخطر عوامل نهوضنا المنبعث أو انتكاستنا المجددة .

   من هنا فإنَّ تحديد الخيار الثقافي هو تحديد بُنيوي مصيري في ذاته ، إذ سيتم على ضوئه نحت بناءات الإنسان والمجتمع والدولة العراقية الحديثة ، وهنا فالخيار الثقافي يعني في عمقه خيار الهوية والإنتماء والوطن والتأريخ ، فوفق هدّيه ومعالمه سيتحدد خيار الوحدة أو التشظي ، الأصالة أو الإستلاب ، الإنغلاق أو الإنفتاح ، التقدم أو التخلّف ، الفاعلية التأريخية أو الإندحار الحضاري .

   إنَّ المُتتبع لطبيعة الخيارات الثقافية المطروحة بين ما هو ليبرالي صرف أو قومي صرف أو إسلامي صرف أو ماركسي صرف ، إضافة لقيمومة الثقل التقليدي للمنظومات الثقافية العِرقية والطائفية والمناطقية .. قد يُصاب بالهلع جرّاء التقابل الحاد بين هذه الخيارات الثقافية التي تتناول في العمق قضايا الإنتماء والهوية والتأريخ والمستقبل !! لكونها خيارات أُحادية البُعد مؤسَّسة على الإنغلاق إلى حد التصادم ولو على الصعيد النظري ،.. وهنا تكمن الخطورة ، إذ لم تنجح هذه المدارس بعد في التأسيس البرامجي لقواعد التعايش والتكامل المتبادل إستناداً إلى أرضية إشتراك الكُل في الوعاء الثقافي الوطني الجامع .

   ولنا أن نتصور خيارنا في الإدارة لبرامجنا الوطنية أو البناء لكياننا العراقي القادم مع قيمومة هذا التقابل الحاد والمنغلق بين خطوطنا المدرسية بين ما هو إسلامي وقومي وماركسي !! إنه ولا ريب خيار كارثي لا يمكن معه إنجاز أي تقدم مجتمعي سياسي ثقافي وطني مرموق ، فكيف لنا التعاطي ومسائلنا وبرامجنا الوطنية إنطلاقاً من أرضية هذا التقابل الحاد والمتناقض بين خطوطنا المدرسية وما يؤسَّس عليها من تجارب على أرض الوطن ؟! كيف لنا توجيه وإدارة وقيادة مركبنا الوطني وكل خط مدرسي واتجاه مذهبي يُحاول شد الواقع والإنسان والوطن إلى خياره وطروحاته ومشاريعه المنظّرة والمُسيّرة للتجربة الوطنية ؟! إنَّ التصادم والفشل هو النتيجة الطبيعية لهذا الخيار دونما أدنى ريب ، فأُولى وأهم كوارث هذا التقابل المنكفئ على الذات والرافض للتواصل والمستعصي على إبداع الأرضية المشتركة .. هي تمزيق النسيج الوطني وفقدان بوصلة الإتجاه للمسيرة الوطنية الكلية سواء على صعيد الذات أو التجربة في تنوعاتها السياسية والإجتماعية والحضارية .

   من هنا نقول : إنَّ من أهم واجبات النُخب الوطنية ؛ الإتفاق على تحديد الخيار الثقافي لأُمتنا العراقية وهي تنهض مجدداً لبناء ذاتها وإنجاز أدوارها على الأرض ، وما لم ننجح في إعادة قراءة وتمثّل الذوات الثقافية الخاصة بكل مدرسة بُغية إعادة تركيبها وفق مرتسمات واقعية تلحظ تغيرات وضرورات الكيان والتجربة العراقية الجديدة ، ثم الإنطلاق في التحديد والتشخيص والتنمية لخيارٍ ثقافي نوعي يمثّل أُمتنا العراقية بكل مدارسها الثقافية ،.. ما لم ننجح في إنتاج هذا الخيار الثقافي الوطني الجامع فلن يمكننا إدراك التحوّلات الجوهرية في مسيرتنا الوطنية الجديدة .

   إنَّ الخيار الثقافي القائم على منظومات الأصالة والحداثة والتنمية الشاملة ، وضمن الحاضن الوطني المتشبّع بقيم الخصوصية والثوابت والمصالح العراقية ، والمنحاز لمناهج الإنفتاح والتعايش والتسامح والفاعلية الحضارية الدائمة ، والنافي للتطرف والعنصرية والسلبية والإجترار والإنكفاء ، .. لهو الخيار الثقافي الذي نتبناه كفاعل جوهري للتجربة العراقية المؤمّلة ،.. ومثل هذا الخيار لهو خيار وطني شامل يجب أن ينخرط الكُل العراقي لإنتاجه والنهوض بمشروعه التأسيسي .