المواطنة .. المبدأ الضائع !!

حسين درويش العادلي

abuhabib1@hotmail.com

توطئة

 

   لم يشهد أي مبدء طيلة عهود الإستقلال والتكوين الحديث للدولة العراقية وعلى تعاقب المدارس والتجارب البُنيوية والسياسية التي أدارة دفة الحياة العامة العراقية .. لم يشهد أي مبدء تهميشاً وسحقاً وضياعاً كمبدأ المواطنة ..سواء في تأصيله وتوكيده في الحياة الدستورية والقانونية العراقية ، أم في العمل باستحقاقاته الموضوعية لصياغة أنماط التجارب المجتمعية على تنوعها ، أم في تحويله إلى ثقافة راسخة في الوعي والإلتزام النخبوي والجماهيري .

   وهنا تكمن أشد الإخفاقات التي مُنيت بها المدارس والأنظمة العراقية على تعاقبها ، وهو ليس إخفاقاً بُنيوياً أضر بمنظومة المفاهيم والضوابط التي قامت عليها الدولة العراقية الحديثة فحسب ، بل مثّل أيضاً إخفاقاً وطنياً أتى على مقومات الحياة العراقية برمتها . فمنذ بواكير عهد الإستقلال لم يشهد العراق عملاً نوعياً حقيقياً لتعريف وتوكيد وتعزيز مبدأ المواطنة بما يضمن حب وولاء واندكاك أبناءه فيه بشكل جاد وحقيقي ومخلص وبما يحفظ وحدته واستقلاله وسلامته ،..بل العكس ، إذ يشهد الواقع التأريخي والمعاصر الأثر التخريبـي الفادح الذي مارسته وأقرته مختلف الأنظمة السياسية التي تعاقبت على السلطة في العراق بحق المواطنة وعلى الصُعد كافة ، لتُتوج أخيراً على يد نظام الطاغية صدام حسين البائد إلى إنهيار كامل لهذا المبدأ جراء اختزاله ليُساوق الولاء لحزب السلطة وللنظام السياسي ولشخص الطاغية .. إذ لا وطن ولا مواطنة خارج مظلة الولاء العبودي لرغائب ونزوات شخص الطاغية !! حتى تم تحوّيل المواطنة إلى ضريبة دم وسجن وقيد وتمييز وتعسف بشكلٍ لم يسبق له مثيلا في تأريخ العراق !! فغدت المواطنة ظلاً باهتاً لا يقوى على الحضور والفاعلية والصمود أمام أي خطر يهدد الكيان الوطني للعراق ، بل باتت المواطنة بنظر الكثيرين – وللأسف - قيداً لا يلبث أن يتخلص منه العراقي أمام أول فرصة هجرة  ليبحث عن ( وطن ) آخر علّه يجد فيه شيئاً مما افتقده في وطنه من حق إنساني أو قانوني أو سياسي !!

   إنَّ السلطات العراقية المتعاقبة والفاقدة للشرعية أساساً لم تعتمد مبادئ العدل والمساواة والتكافؤ في تعاطيها مع مواطنيها على تنوعهم العِرقي والطائفي والسياسي ، بل إنَّ كل سلطة أخذت تحابي وتعتمد على شريحة أو قبيلة أو طبقة أو طائفة على حساب الكل الجماهيري الوطني ، مما همّشهم وساعد في خلق حالات العداء المؤدي لإضعاف الحس الوطني العام . إنَّ الدولة التي لا تحترم وتعدل بين مواطنيها لا يمكن أن تمثلهم وتتعايش وإياهم وفق مرتكزات متناغمة تؤتي ثمارها في عمليات البناء أو الإرتقاء أو البقاء ، بل تخلق منهم أعداءاً لها ، وبالنتيجة أعداء لمؤسساتها وهيئاتها ومرافقها ، فالمتضرر لا يمكنه الحب والولاء لدولة تزدريه وسلطة تهمّشه ونظام يُقصيه عن نيل حقوقه الأساسية والمشروعة ، فكيف إذا تحوّلت الدولة إلى ماردٍ والسلطة إلى ساحقةٍ والنظام إلى مفترسٍ لوجود وآمال مواطنيها !! إنَّ النتيجة الطبيعية لدور الدولة المُستعبِد والمتفرعن هذا هو : ضعف وانتفاء الحس والحب والإنتماء والولاء الوطني شيئاً فشيئا .

   والملاحَظ إشتراك العديد من الحركات والنُخب السياسية والإجتماعية العراقية في إهمال وتهميش مبدأ المواطنة في خضم تنظيرها الإيديولوجي وخطها البرامجي ، متأثرةً بإنتمائها العِرقي والطائفي والسياسي في نظرتها للوطن والإنسان العراقي ،.. لقد وقعت الأحزاب والحركات العراقية ضحية تنظيرها العقدي القافز على فروض الواقع عندما أهملت الوطن العرقي لصالح الوطن القومي أو الإسلامي أو الأُممي ، أو غدت بوابة الطموح للأجنبي من خلال خط الدعم أو التنسيق أو التحالف معه .

   من جهةٍ أخرى ساعدت بعض مفردات ثقافتنا وطبيعة وعينا الجمعي المتميز بطيبته وقبوله للآخر غير العراقي .. ساعدت في غزو جسدنا الوطني من قِبَل الأغراب الذين وظّفوا طيبتنا وتسامحنا وقبولنا بالآخر ليؤسسوا لكانتونات الولاءات لصالح ذواتهم الوطنية على حساب الولاء للعراق .. والمعضلة الكُبرى تسلّط هؤلاء الأغراب وأصحاب الولاءات الأجنبية على مرافق التوجيه والرّيادة الدّينية والسياسية والإقتصادية في أكثر من وسط إجتماعي ومقطع زمني من حياة الدولة والمجتمع العراقي الحديث .. ولعلنا من الأُمم النادرة المُستباح حرمها الوطني بالرجالات والطروحات والولاءات غير العراقية منذ التأسيس الحديث للدولة العراقية وليومنا هذا .. ألم نستورد ملكاً ومرجعاً على حساب نُخبنا الوطنية ؟ ألم نستورد فكراً ومدارساً على حساب أصالتنا المدرسية ؟ ألم نستورد الولاء والذوبان بالآخر القومي والإسلامي والأُممي على حساب الولاء والذوبان لما هو عراقي فكراً وخصوصيةً ورمزاً وحزبا ؟!! 

   إنَّ واقعاً مُخترقاً ومهجّناً كهذا لا يمكن أن تستقيم معه هوية أو أن تقوم على أساسه دولة أو أن ينهض به مجتمع أو أن يضطرد من خلاله تقدم ، بل هو أقصر طريق للفشل والإنقسام والتناحر ، وبعد للتفتت والتبعية والإرتماء في أحضان الغير .. وهذا ما نجني ثماره المرّة الآن !! فالولاء للعراق قيماً وأُمّةً وأرضاً ومصالحاً .. هو آخر ما تجد له مصداقاً حقيقياً في مناخات وعينا السياسي أو في تضاريس أنظمتنا وبرامجنا العملية !! وها قد أعادتنا هذه العوامل مجتمعةً إلى المُربّع الأول لننسج أوائل خيوط الولاء للوطن والأُمّة والدّولة !! ويا لها من مهمة تنوء بها العُصبة أولي القوة .. في الفكر والهمّة والإخلاص .

   من هنا كان لابد وأن تنهض النُخب الواعية من أبناء العراق الذين أدركوا الخطر بحس وعيهم وتجربتهم ومن مختلف أوساطنا الدينية والعِرقية والسياسية والإجتماعية والثقافية ،.. أن ينهضوا لإعادة إنتاج منظومة وطنية نوعية جديدة تستطيع من خلالها تلافي كل نقاط العجز والفشل والإختراق والتبعية ، لضمان سلامة وطننا الحبيب وأُمّتنا العراقية الجديدة الباحثة عن ذاتها ومستقبلها وسط ركام كوارث الدم والإستلاب والمجهول .

   ونرى ، أنَّ هناك بُنى تحتية للعملية الوطنية التي تستهدف إعادة الهيكلة المفاهيمية والتطبيقية للأُمّة العراقية الجديدة ، تأتي في طليعتها إعادة هيكلة مبدأ المواطنة على أُسس قانونية واجتماعية وسياسية وثقافية جديدة ، لتحقيق الأهداف النوعية لأدوارنا وتجاربنا الوطنية القادمة ،.. وهنا ، فعملية إعادة الهيكلة هذه ، بحاجة ماسة إلى ثورة تصحيحية في العديد من المفاهيم والرؤى والتطبيقات لعموم الدولة العراقية كجملة إدارات ومؤسسات وأنظمة ومقررات وسياسات ، ولعموم الثقافة المجتمعية في خطوطها العامة والتفصيلية المتصلة بالمواطنة والوطن ، وللنُخب الدينية والسياسية والإجتماعية في رؤاها وبرامجها التأسيسية ، ولجمهرة الأحزاب والحركات في قيادتها وتوجيهها للمسيرة الوطنية ،.. إنها مهمة الكُل العراقي في إعادة إنتاج ذاته ووطنه ومستقبله .

 

ثبوت الدولة الوطنية

 

   يجب التأكيد : أننا ننطلق في تناولنا لمفردات المواطنة والوطن والوطنية إستناداً إلى حقيقة موضوعية قائمة لا يمكن تجاوزها بالشعار الحالم أو الواهم أو الزائف .. وتُفيد هذه الحقيقة بثبوت ورسوخ ونجاح الدولة القطرية الوطنية ولو منذ مطلع القرن المنصرم لأسباب معروفة للجميع .

   وعليه فإننا هنانتعامل مع حقيقة موضوعية قائمة (( وهي الدولة الوطنية )) أُسست على ضوئها الحدود والأنظمة والدساتير والحكومات وأوجدت هوية واضحة وانتماء مُحدد لا مجال لتجاوزه أو القفز على استحقاقاته من الناحية القانونية أو الموضوعية بأي شكل ،.. لذا فالحديث عن دولة دينية واحدة أو دولة قومية شاملة أو دولة أُممية موحدة .. لا مكان موضوعي له في واقعنا المعاش والقائم والمنظور ، وذلك لإفتقاد أدواته العملية القابلة للتحقق على أرض الواقع ولو ضمن خصائص عالمنا المعاصر والفعلي .. وعليه يجب ملاحظة فروض الواقع العملي أثناء التنظير للوطن والدولة وما يجب أن يقوم ويؤسس عليهما ، وأن نجهد لتنضيج مناهجنا المعرفية والسياسية والمدنية في تعاطينا وهذه المكونات الجوهرية في حياة الأُمم .

   وتقريرنا لهذه الحقيقة لا يعني قولنا بإنتفاء التناغم والتكامل والسعي لتنسيق الفعل والنشاط والناتج القيمي والإنساني بين مجتمعاتنا ودولنا ، ولعل من ميزات المجتمعات المعاصرة تقاربها واندماجها الثقافي والمصالحي ، وفي التجربة الأوربية رغم وجود ما يُفرّق بين أُممها ما يؤكد ذلك ، فقد نجحت في إرساء مشاريع الدولة الواحدة ضمن الأُطر الإتحادية ،.. وما ذاك إلاّ تقريراً عملياً بإمكانية توحّد الجهد والسعي والمصلحة الإنسانية فيما لو استندت الأوطان والدول كآحاد وكمجموعات إلى منظومات قانونية وسياسية سليمة وواقعية .

   إذن فدعوتنا لتركيز مفاهيم ومباديء الوطن والوطنية والمواطنة يجب ألاّ  يُفهم منها أنها دعوة للإنعزال والتقوقع على الذّات الوطنية في مرتسماتها الجديدة ، بل هي دعوة لوعي وبناء الذّات الوطنية العراقية أولاً ثم تحري فرص التناغم والتكامل مع الآخرين على أُسس سليمة وواقعية لا تعرف الإستلاب والتجيير والمصادر والتبعية لهذه الأُمة أو تلك أو لهذا البلد أو ذاك على حساب أُمتنا وبلدنا ودولتنا العراقية ، وخاصةً بعد الضرائب الهائلة التي دفعتها أُمتنا العراقية في خط صرعها المرير مع الإستبداد الصّدامي الذي مارس أشد أنماط البطش والدموية على مرأى ومسمع من الحاضن العربي والإسلامي والدولي دون أن يهتز له ضمير أو يتداعى له انتصار .. إلاّ ما ندر !! وهذا الدرس القاسي يُفيد أول ما يُفيد بضرورة جعل الوطن والإنسان والمصلحة العراقية قيمة عُليا لا يمكن المساومة عليها أو تهميشها أو تناسيها في التعاطي مع العالم  أجمع .. وهو ما يجب أن تعيه مدارسنا البُنيوية والسياسية العراقية سواء الإسلامية منها أم القومية أم الماركسية ،.. وإلاّ سنُعيد على أرضية الإستلاب والتبعية والمثالية تجارب ضياع الإنسان والوطن والدولة .

 

الوطن والوطنية

 

   الوطن وفق الفهم المعاصر يتجاوز المعنى التقليدي الذي يُشير إلى المنـزل أو السكن الذي تُقيم فيه وتتخذه محلاً .. إنه تعبير مُركّز للإنتماء القانوني والسياسي والثقافي والشعوري والعاطفي بإقليم جغرافي مُحدد ومُعيّن على أساس شروط ومواصفات ومعالم تميّزه عن الأوطان الأُخرى بخصائص طبيعية أو مُكتسبة بفعل عوامل عدة تدخل في صياغة هذا الوطن أو ذاك ،.. وهنا أصبح الحديث عن الوطن في الحقيقة هو حديث عن الإقليم الجغرافي وعن الدولة القطرية وعن الأُمّة أو الشعب المُحتَضَن فيهما ، أي غدى حديثاً مُركّزاً عن التكوين والصيرورة والهوية .. عن الخصوصية والإنتماء والمصلحة التي تربط أُمّة من الأُمم بإقليمها الوطني وكيانها الرسمي المُشخّص بالحدود والأنظمة والثقافات .

   وعليه ، فالوطنية إستناداً إلى ذلك تعني وعياً وشعوراً وانتماءاً وحباً مُركّزاً في الفرد أو الشعب أو الأُمّة تجاه وطنهم المُحتضِن لهم والعائد إليهم ، وعلى هذا الأساس تنشأ الحقوق والواجبات في بُعدها الإنساني أو القانوني في ثنائية العلاقة بين المواطن ووطنه ، ومنها حقوقه وواجباته الدستورية والقانونية والإنسانية .. كحقوق التجنّس والمساواة والكرامة والأمن والحماية والتعبير ..الخ ، وكواجبات الدفاع والإلتزام والمسؤولية والولاء . وما لم تستقيم هذه العلاقة ضمن حواضن الإعتراف والدفاع والولاء المتبادل بين المواطنين ووطنهم ضمن منظومة متوازنة وعادلة بين الحقوق والواجبات .. فسوف لن تستقيم أو تُثمر أو تُنتج الوطنية شيئاً ،.. وبالتالي سيعود الضرر على المواطن كإنسان وعلى الوطن كوحدة إقليمية وسياسية .

المواطنة

 

   لا ريب أنَّ مفهوم ومبدأ المواطنة من نتاج التحولات المجتمعية السياسية المقترنة بولادة الدولة الحديثة ، وهو وإن كان قديماً ومعهوداً لدى العديد من الحضارات الإنسانية كما عند اليونان والرومان ، إلاّ أن صيغته المعاصرة قد خرجت عن نطاقها التقليدي إلى حقٍ ثابت في الحياة السياسية والإجتماعية بين الدولة ورعاياها ، وبذلك يكون مفهومه وفروضه على النقيض حتى من الدولة الملكيّة والإرستقراطية ، فالمواطنة حصيلة ترسيخ مفهوم الدولة الحديثة وما تقوم عليه من سيادة لحكم القانون والمشاركة السياسية الكاملة في ظل دولة المؤسسات .

   وبالرجوع إلى أهم المراجع التي تناولت المواطنة بالتعريف كما في دائرة المعارف البريطانية وموسوعة الكتاب الدولي وموسوعة كولير الأميركية .. يمكننا إجمال تعريف  المواطنة بأنها : (( عضوية كاملة تنشأ من علاقة بين فرد ودولة كما يُحدّدها قانون تلك الدولة ، وبما تتضمّنه تلك العلاقة من واجبات كدفع الضرائب والدفاع عن البلد ، وبما تمنحه من حقوق كحق التصويت وحق تولي المناصب العامة في الدولة )) .

   وعليه تكون المواطنة من أشد أنماط عضوية الفرد إكتمالاً في الدولة الحديثة ، فهي هنا ليست صورة باهتة لإنتساب صورّي بين أفراد المجتمع ودولتهم المعينة بقدر ما هي كينونة لجنس العلاقة الرابطة بين الفرد ومن ثَمَّ المجتمع بدولتهم التي يستظلونها وينتمون إليها . وهي على ذلك من مستلزمات الإنتماء للمجموعة السياسية أو للدولة كوحدة سياسية متكاملة والتي تتألف من وطن ((كإقليم جغرافي )) وأُمّة (( أو شعب )) ونظام وسلطة . ومثل هذا الإنتماء يفرض حقوقاً ويسلتزم واجبات كمنظومة متكاملة لا تعرف الفصل والتفكيك في أنظمتها واستحقاقاتها ، إنطلاقاً من هذه العضوية المسمّاة بالمواطنة في ظل الدولة المعاصرة ، ولتي تُكتسب بشكلٍ عام في ظل الأنظمة القانونية الحديثة على أساس الولادة في الدولة والإنحدار من أبوين مواطنَين والتجنّس .

 

ركائز المواطنة

 

   تعتمد المواطنة على ثلاث ركائز أساسية ، وهي : المساواة ، الحرية ، العدالة ،.. وهي ذاتها مقومات البناء العضوي للدولة الناجحة المستندة إلى الشرعية الحقيقية .

   ولعل كافة ركائز المواطنة تستند في عمقها إلى منظمومة (( الحقوق والواجبات )) كأساس تنبثق عنه قيم المساواة ومنح الحريات وتطبيق العدالة .. ومنظومة الحقوق والواجبات وإن كانت أساساً جوهرياً في التشكيل الحديث للدولة ، إلاّ أنها منظمومة قيمية إنسانية في حقيقتها قبل أي شيءٍ آخر ، وما الدولة سوى ظاهرة إنسانية تستند إلى القواعد القيمية لكسب مشروعيتها وسلطتها الواقعية .

   والحقيقة ، فإنَّ منظومة الحقوق والواجبات تُعتبر أساساً وهدفاً موضوعياً في آنٍ واحد في عملية التعاطي في حركة الحياة وظواهرها الأصيلة كالدولة ، فلولا هذه المنظومة لما قام الإلزام والإلتزام ، ولولاها لما نشأ نظام وحُددت دوائر المسؤولية . وبذلك نعلم أنَّ المساواة والحرية والعدالة هي منظومة حقوق طبيعية قيمية ذاتية للبشر وليست منّة من الدولة أيّاً كانت ، وأنَّ الإنخراط في دولة معينة في الوقت الذي يقتضي تنظيمها كي تتصادم فيما بينها .. فإنه في ذات الوقت يستوجب حقوقاً وواجبات أخرى يفرضها طبيعة هذا الإنتماء للدولة .. وهو حق وواجب لا يُعتبر منّة من الدولة أيضاً ولكن يُعتبر إلزاماً والتزاماً قبال عملية الإنتماء للدولة ذاتها والتي هي هنا مجموعة سياسية تنمتي للكل المنتمي إليها .

   إننا ننحى هنا المنحى القيمي في تحليل أصل إنبثاق الحقوق وأصل ترتيب الواجبات عليها ، لأننا نعتقد أنَّ للإنسان جانب ثابت يتمثل أساساً بجملة أبعاده القيمية التي تُشكّل طبيعته ومضمونه الإنساني ككل ،.. أي أنَّ الجانب القيمي يمثل الطبيعة الذاتية للخلق الإنساني كنوع ، فهي ثابتة بثبوت نوعه وجنسه ، فهي هنا عين الذات الإنسانية التي عليها قامت ومنها تشكّلت وبها تميزت ، وهي حقيقة كلية مضمونية تُشكّل والذات الإنسانية ماهية واحدة لا مكان للفصل الحقيقي بينهما بأي حال وتحت أي ظرف ما دمنا نتحدث عن الإنسان كإنسان .

   هذه الماهية النوعية التي تمثل أساس الجوهر الإنساني ، وقل إنسانيته كلها التي بها ومن خلالها يتميز عن الأجناس والأنواع الكونية الأخرى .. هي التي تفرز وتُقر وتؤكد جملة حقوقه والواجبات المترتبة عليه ،.. وتأتي في الطليعة حقوقه الطبيعية من مساواة وحرية وعدالة وإلتزام وإلزام ومسؤولية ..الخ ، فعلى سبيل المثال : إنَّ القول بالإلتزام والإلزام يُعتبر أساساً جوهرياً في منظومة الحقوق والواجبات ، وبهما ومن خلالهما يمكن الحكم بسلامة المسيرة الإنسانية ، فهما شرط قيام الحياة الهادفة . من جهة أخرى ، فإنَّ الإلزام أصل وشرط لقيام أدوار المسؤولية التي لا حياة لأية تجربة إنسانية دون إقرارها واعتمادها ، فإذا انتفى الإلزام لواقعٍ ما كالجنون أو الصِغر مثلاً ، فلا مسؤولية تترتب على عدمه .

   ومن هذه المسؤولية ينشأ الجزاء كنتيجة موضوعية تُنتجه المسؤولية سلباً أو إيجابا ، فالإلتزام بالمسؤوليات القيمية واستحقاقاتها يستوجب جزاء المثوبة ، والتحلل منها والعمل ضدها يستوجب جزاء العقوبة ،.. وعلى هذا الأساس تقوم فلسفة الجزاء لدى جميع الشرائع وكافة المذاهب ، وإلاّ سنصطدم مع ثابت إنساني قيمي آخر وهو العدل ، حيث لا يمكن أن يستوي عقلاً وشرعاً وقانوناً المسؤول والمتحلل ، فإذا لم يستويا وجب أن لا يتماثلا في الجزاء .

   من جهةٍ أخرى ، فمن مجموع الإلتزام والإلزام والمسؤولية يتألف لدينا النظام القائم وفق سلسلة من القوانين المحددة ، وباختراقها يضع الإنسان نفسه تحت طائلة المسؤولية والعقاب أياً كان . وبما أنه لا يمكن تصور قيام حياة إنسانية حقيقية ومتطورة وتصاعدية دونما نظام وتنظيم قانوني شامل لكافة مرافق الحياة الإنسانية ، عندها يجب الحكم بوجوب الإلزام والإلتزام كقواعد قيمية ثابتة لضمان نشوء أُطر المسؤولية في التعاطي مع النظام والقانون . إنَّ منظومات النظام والقانون الضامنة للبناء المجتمعي الهادف للحياة إنما هي بناءات علوية تستمد شرعيتها أساساً من منظومات القيم الإنسانية الأصيلة والثابتة ،.. وأدنى خلل يُصيب ذوات هذه القيم سيقودنا إلى اختراق دوائر النظام والقانون لا محالة .

   وما يهمنا هنا التأكيد على أنَّ ركائز المواطنة هي ركائز إنسانية في عمقها لا مكان للتنازل عنها أو مصادرتها تحت أي ظرف ، وعليه تكون أصيلة وثابتة لا غنى عنها لقيام أي تجربة إنسانية بما فيها الإنخراط في المجموعة السياسية المسمّاة بالدولة .

   إنَّ الحريات في أبعادها الجوهرية أو الشكليّة وفيما يتصل منها بالمصالح المادية أو المعنوية .. إنما هي حق إنساني فطري ثابت قبل أن تكون حقاً وطنياً قانونياً مُكتسباً ، لذا لا يحق للدولة مصادرتها كونها تعبيراً عن كينونته وماهيته التي يتميز بها كإنسان .. نعم للمجتمع وللدولة وللتشريعات تقنينها بما لا تصطدم مع حريات ومصالح الآخرين ،.. إلاّ أنه يبقى الأصل قائماً على أنها هبة الله تعالى التي لا مكان لمصادرتها أو الحجر عليها أو نفي استحقاقاتها الطبيعية والمشروعة .

   والأمر ذاته في المساواة على أساس أنَّ البشر كافة أكفاء وسواسية لا يتمايزون في الطبيعة إستناداً إلى مقاييس ضيّقة أو هابطة كمعايير العِرق أو اللون أو المستوى الإقتصادي ..الخ ، ويجب ألاّ يتمايزوا أيضاً في إستحقاقات المواطنة التي هي معيار إنتماء مُحايد في ذاته لا يوجب حقوقاً إضافية لأفراد معينين أو طبقات معينة مهما بلغت بهم درجات الإنخراط في تشكيلات الجماعة السياسية المكونة للدولة ،.. وهنا فالمساواة هي حق إنساني ووطني ثابت يستند مؤهلات حقيقية في ذات الإنسان كإنسان وفي انتماءه للوطن كمواطن تستتبع كافة الحقوق وتُلزم كافة الواجبات في ذات الوقت على المواطنين كافة دونما تمييز أو تعسف .

   والعدالة بدورها تتبع ذات المقياس الموضوعي إنطلاقاً من كونها أُسّاً كونياً وحقاً وواجباً إنسانياً لا غنى عنه لتنظيم شؤون الحياة على تنوع مستوياتها ، وبالذات في مراعاة الحقوق الطبيعية والواقعية بما يضمن عدم الظلم والحيف في إعطاء كل ذي حقٍ حقه إستناداً إلى الحق الطبيعي للإنسان كإنسان وإلى الحق المكتسب بالإنتماء كمواطن ينتمي إلى دولة ويُحسب على وطن .

   إذن ، لا يمكن بحال الفكاك من حضور واستحقاقات قيم ومباديء المواطنة ، كونها حقاً طبيعياً وحقاً مُكتسباً في آنٍ واحد ، فهي حق طبيعي إنطلاقاً من ثبات القيم الإنسانية الأصيلة التي تُؤلّف ماهية الإنسان والتي يتميز بها كخلق ، وهي حق مُكتسب إنطلاقاً من الإنتماء إلى الوطن والدولة .

حقوق وواجبات المواطنة

 

   لاشك : أنَّ من أهم عوامل نكستنا الوطنية التي جسّدتها الأنظمة المتوالية على حكم العراق ، تمثلت بحملات التربية والتثقيف والتقنين على ثقافة الواجب ، فكل مواطن يعرف لائحة لها أول وليس لها آخر فيما يترتب عليه من واجبات تجاه الدولة والسلطة والقانون والجيش والحزب والإدارات ..الخ ، في حين غُيّبت وعن عمد وتخطيط تربية وثقافة الحقوق التي يستحقّها مَن يقوم بواجبٍ ما تجاه دولته .

   ونلحظ : أنَّ الدولة والسلطة قد أوجدت شبكة ممتدة من القوانين والتشريعات التي تحفظ أسوار ثقافة الواجب ، بل امتازت هذه القوانين بالشدة والصرامة لتحويل هذه الثقافة إلى إسلوب حياة ثابت يستوطن العقل والنفس والسلوك العراقي مقروناً بظلال الرعب والخوف من التمرد عليها ، لذلك ليس مستغرباً مثلاً أن تصل عقوبة مَنْ يتمرد على الواجب العسكري إلى حد الإعدام !! أو إلى جزاء جذع الأنف ووشم الجباه لمجرد الفرار من صفوف الجيش !! بل مَنْ يقطع زراً من أزرار البدلة العسكرية يُعاقب بالسجن لمدة ستة أشهر !! أو مَنْ لا يُجسّد واجب الإحترام اللفظي فيشتم الرئيس أو أحد أفراد عائلته أو مجلس قيادة الثورة أو حزب البعث .. يُحكم عليه بعقوبة الإعدام !!!

   إنَّ هذه السياسة المُبرمجة تدخل في حقيقة الأمر ضمن منظومة النظرية الدكتاتورية في إدارة البلاد ، وهي جزء من تقنية الرعب الشامل الذي تمارسه الأنظمة لحماية وجودها ومؤسساتها من الإنهيار فيما لو تساهلت في تغذية وشيوع وتمكّن ثقافة الواجب .

   وكرد فعلٍ موضوعي لدى مجتمعنا ، جرّاء التعسف والإضطهاد والتنكيل والإذلال الذي تجرّعه على يد أنظمة ثقافة الواجب ،.. اتجه خطابنا العراقي النُخبوي والجماهيري تلقائياً إلى المطالبة بالحقوق .. حق الحياة ، العمل ، السفر ، التظاهر ، العمل السياسي ..الخ ، وهي حالة سيكولوجية طبيعية تُعبّر عن حرماننا من التمتع بإنسانيتنا وحقوقنا الطبيعية والوطنية في ظل أنظمة الواجب ،.. من هنا نرى أنَّ خطابنا السياسي والقانوني والتثقيفي اتجه وبقوة نحو المطالبة بحقوقنا المشروعة على أساس ثقافة الحق .

   ونزعم : أننا لم نُنتج بعد ثقافة المطالبة بالحقوق ، وإنما يتجه خطابنا اتجاهاً رجائياً في أحسن فروضه ، إذ لم يؤسَّس على شكل قواعد وثوابت تُلزم نُخبنا ومثقفينا وأحزابنا بفروضها واستحقاقاتها تجاه التجربة العراقية الجديدة ، ولم نُبادر مشاريعياً ومؤسساتياً لبرمجة هذه الثقافة بما يجعل منها آلية تلقائية في التفكير والسلوك العراقي بشكلٍ لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف . وهنا ، فإنَّ الجُهد الوطني على تنوعه يجب أن يتجه لتشييد صرح ثقافة الحق كمنظومة دستورية وقانونية وثقافية غير قابلة للإختراق أو المداهنة أو التجاوز من قِبَل أية قوة أو مؤسسة أو جهازٍ حاكم .

   إنَّ المواطنة المتأتية من الإنتساب والإنتماء الطبيعي إلى الوطن .. لهي حق إنساني ووطني لا يمكن مصادرته أو القفز على استحقاقاته العملية ، فهي ليست منّة من أحد ليحق له سحقها أو تنظيم أقيستها الموضوعية وفق الأهواء والأمزجة أو على أساس القيم العنصرية والهابطة ، إنها ترتكز أول ما ترتكز على مقومات المساواة والحرية والعدالة كقواعد تستندها ذات منظومات الإنتماء الوطني لأي فرد أو أية شريحة مجتمعية ، وهنا فإنَّ ذات منظومة المواطنة تختزن الحقوق كما تختـزن الواجبات ، فكان لزاماً أن تُؤسّس لائحة الحقوق والواجبات دستورياً وتُقنّن قانونياً وتؤصّل ثقافياً وتُرعى تربوياً .. ولن تستقيم سُبُل المواطنة أو تنضج استحقاقاتها فيما لو أهملنا أو أقصينا أياً من طرفي معادلة المواطنة فيما تهبه من حقوق وتُلزم به من واجبات .

   وعليه ولضمان إنتاج أمثل وأرقى للمواطنة الصالحة ، ولضمان الخروج من أسر دائرة العبث والتجاوز والسحق الذي أوجدته أنظمة الواجب أو ثقافة الحق الأُحادي ..كان لزاماً الشروع التأسيسي الشامل بمنظومة الحقوق والواجبات الوطنية ككل لا يتجزّأ كي تستقيم لدينا دائرة المسؤولية في بُعدها الإنساني والقانوني والوطني ،.. ففي الوقت الذي نتجه فيه وبقوة وتصميم وإرادة ثابتة لتأسيس وصيانة حقوقنا الإنسانية والوطنية .. يجب وبنفس القوة أن نتجه لتأسيس وصيانة الواجبات التي بذمتنا تجاه إنسانيتنا ووطننا ودولتنا وأُمتنا العراقية .

   أقول : إنَّ خطاب ثقافة الحقوق الذي نرى شيوعه حالياً يُعالج منظومة الحقوق المتعلقة بذمة الدولة والمؤسسات الرسمية تجاه المواطنين ، وهو خطاب تأسيسي وبُنيوي واجب ورائد ورائع .. إلاّ أنه يغفل التقنين لمنظومة الواجبات المتعلقة بذمة المواطنين تجاه مجتمعهم ووطنهم ودولتهم ، وهو خطاب غير مُكتمل على الروّاد تلافيه كي لا يُوقعنا بالإتجاه المعاكس ، فبينما تعتمد الدولة والسلطة ثقافة الواجب ، تعتمد النُخب والجماهير ثقافة الحق ،.. وعليه فإنَّ بناء الخطاب على أساس هذا التقابل الحاد سيُصادر محاولات بناء وخلق ثقافة مجتمعية ووطنية ناهضة ومسؤولة تعي ما لها وما عليها في حركة الحياة .

   إنَّ دائرة المسؤوليات الإنسانية والوطنية دائرة متصلة ومترابطة ومتقابلة وتوالّدية تقوم على أساس الإلتزام والإلزام المنتج للنظام الذي هو شرط الحضارة ، وهنا توجب علينا ذات منظومات التقدم الإنبعاث لتشريع ثقافة الواجب جنباً إلى جنب مع ثقافة الحق لإيجاد ثقافة متوازنة وسلوك متكافئ بين منظومات الحقوق والواجبات ، وبما يضمن خلق ثقافة وطنية كلية يعي فيها المواطن حقوقه وواجباته ومسؤولياته ، وهذا ما يتطلبه مبدأ المواطنة الصالحة .

   وهذه هي مسؤوليتنا جميعاً لإنتاج مثل هذا الخطاب العقلاني والوطني المتوازن ، سيما وأنَّ حركية مجتمعنا آخذة بالتوجه نحو ترسيخ الدولة الجديدة وتطبيقات المجتمع المدني في ظلها ، وهنا يصبح من الأمانة والمسؤولية الوطنية الإتجاه لصياغة لائحة الواجبات الوطنية جنباً إلى جنب مع صياغة لائحة الحقوق ، وإلاّ سيكون خطاباً أُحادي النظرة والإجراء والتقنين .

   وعليه ، ففي الوقت الذي نؤكد فيه على ضرورة تأسيس وتطبيق منظومة كاملة وعادلة ومسؤولة لحقوق العراقيين في ظل دولتهم النوعية الجديدة بما يؤكد إنسانيتهم ويُجسّد مواطنتهم على أسس دستورية وقانونية ثابتة وراسخة ، فإننا يجب التأكيد وبنفس الحماس على منظومة الواجبات التي بذمتنا تجاه دولتنا ووطننا وأُمّتنا العراقية .

منظومة الحقوق

   تندرج كافة تطبيقات حقوق المواطنة ضمن الحقوق الإنسانية والوطنية القاعدية الكُبرى والتي هي حقوق طبيعية ومشروعة وحقيقية تُلازم كينونة الإنسان ومديات قيمه ومرتسمات آماله ، ولا يمكن التغاضي عنها أو تجاهلها أو مصادرتها تحت أي ظرف فيما لو استهدفنا إنساناً سويّاً ومواطناً صالحاً .

   وتستظل كافة الحقوق الإنسانية والوطنية بمظلة القيم الإنسانية الثابتة والقيم الوطنية المُكتسبة ،.. وتأتي في مقدمة الحقوق الإنسانية القاعدية : حق الحياة وحق الكرامة وحق العدالة وحق المساواة وحق الإختيار وحق الحرية .. وقد أكدت على أصالة هذه الحقوق الإنسانية الكُبرى النظرة الكونية الدّينية والمذاهب الإنسانية قاطبة . وتأتي في مقدمة الحقوق الوطنية القاعدية :حق الإنتماء وحق الشخصية القانونية وحق الحماية وحق التكافؤ وحق المشاركة في الشأن العام .

   وعلى أساس هذه الحقوق القاعدية تندرج مصاديق وتطبيقات الحقوق الإنسانية والوطنية والتي لابد من الدستور أن ينص على قواعدها العامة والأساسية سواء الطبيعية منها أم المكتسبة ، الحقيقية منها أم الإعتبارية ، وفي مقدمتها تأتي تطبيقات ومصاديق الحقوق التالية : كحق التصويت والإنتخاب والترشيح والتّرشح والرقابة والحُكم دونما تمييز على أساس عِرقي أو عقدي أو سياسي أو طبقي ، وكحق الجنّسية والهوية والعقيدة والثقافة والّلغة القومية ، وكحق التعبير والرأي والنشر في المجالات الشخصية والإعلامية ، وكحق العمل والتأسيس والإنتماء للأحزاب والمنظمات والجمعيات والأُطر المجتمعية ، وكحق العمل والتنقل والسفر والسكن والإقامة كاختيارات وخيارات حُرّة ، وكحق الأمن والحماية والإعتبار والمكانة في أبعادها الشخصية والقانونية ، وكحق تكافؤ الفرص وتقليد الوظائف والمناصب العامة واعتماد معايير الكفاءة والصلاحية الموضوعية في الإختيار دونما تعسف ، وكحق الإستدعاء القانوني الرسمي والتوقيف الإنساني اللائق البعيد عن التشهير والإهانة والتقاضي ضد المظالم والمحاكمة والجّزاء العادل أمام محاكم تستند القضاء المستقل والعلني والمُحايد ، وكحق الأجر العادل وشروط العمل الإنسانية والضمان الإجتماعي في حالة البطالة والحماية من العجز والمرض والشيخوخة والتّرمل .

 

منظومة الواجبات

 

   تستند هذه المنظومة بدورها إلى واجبات قاعدية كُبرى تُعتبر الأساس الموضوعي لنشوء تطبيقات ومصاديق الواجبات الإنسانية والوطنية المتعلقة بذمة الواطنين ، إذ لا يمكن أن تستقيم الإنسانية أو تكتمل دائرة المواطنة مع شيوع التحلل من الواجبات الأساسية ، وفي مقدمتها : الإلتزام والإلزام والمسؤولية والنظام .

   وهنا ،فإني أُلفت عناية النُخب والجمهور إلى ضرورة تضمين الخطاب الوطني في مستوياته وأنماطه كافة ؛ الخطوط العامة لمنظومة الواجبات ، والتي أرى أهمها يتمثل بواجبات المواطنة الصالحة والمسؤولة ، ومنها :

 

1-   الإلتزام برفض أية تجربة دكتاتورية وتحت أي مسمّى كان لقيادة الدولة والبلاد حاضراً ومستقبلاً .

2- الإلتزام بالمنهج الديمقراطي في إدارة تجارب البلاد السياسية ، والإلتزام بقبول نتائج صناديق الإقتراع أيّاً كانت النتائج .

3-   الإلتزام بمباديء استقلال العراق ورفض أية تبعية أو هيمنة أو وصاية أجنبية .

4-   الإلتزام بوحدة الأرض العراقية ضمن الحدود المعترف بها دولياً .

5-   الإلتزام بوحدة الأُمة العراقية ككيان موحّد رسمياً والولاء المخلص لها .

6-   الإلتزام بسيادة العراق الكاملة على أراضيه وموارده وثرواته وقراراته وسياساته .

7-   الإلتزام بمنظومة القيم والقوانين والأنظمة والتشريعات المُقرَّة وطنياً ورسمياً في ظل دولة الدستور والقانون .

8- الإلتزام بعراقية العمل العراقي من الرمز والحركة والمؤسسة بعيداً عن اختراق القيادات غير العراقية لأنماط العمل العراقي .

9- الإلتزام باستقلالية العمل العراقي السياسي والإجتماعي والدّيني والثقافي الرسمي والمعارض ، بعيداً عن الإرتباط بالدوائر الخارجية .

10- الإلتزام بسلمية الحياة العراقية السياسية والإجتماعية والدينية بعيداً عن العنف والإرهاب والتآمر والتصفيات .

    11- الإلتزام بالقيم والأُطر والمعايير الوطنية الجامعة للكُل العراقي على تنوعه بعيداً عن الأُطر العِرقية والأقيسة الطائفية في تنظيم التجارب الوطنية العراقية .

    12- الإلتزام بالولاء للعراق أرضاً وأُمّةً ودولةً ومصالحاً ، وإقصاء المصالح والولاءات المُقزّمة للولاء والمصلحة الوطنية .

 

**      **     **

 

-->

text-kashida:0%">