المجتمع المدني ومعالم التجربة العراقية القادمة
حسين درويش العادلي
SWEDEN
0046 707 53 00 92
abuhabib1@hotmail.com
توطئة
* تتناول هذه الورقة أهم معالم التجربة العراقية المؤمّل قيامها بعد الإنعتاق من أسر النظام الدموي الحاكم في بغداد ، وتشتمل على الرؤى والتأسيسات والحقوق والواجبات العامة التي نرى ضرورتها لتقنين التجربة العراقية في خطوطها ومرافقها ومستوياتها ككل .
ودور مجتمعنا المدني هنا يتمثل بخلق إرادة وموقف ورأي عام ناشط وفاعل ، يعمل ويؤسس ويضغط ويُكافح لتأكيدها وجعلها حقائق ثابتة لا يمكن تجاوزها من قِبَل أية قوة داخلية وخارجية ، فاختراقها يعني لمجتمعنا دورة عنف ومسخ وإذلال وسحق جديدة ، وهذا مما لا يُقبل إنسانياً ووطنياً ، فوضع حدٍ نهائي للتجارب الكارثية مقترن بإنبعاث قوى مجتمعنا المدني الواعية والأصيلة والناهضة لتأسيس تجربة نوعية جديدة تضع حداً فارقاً مع تأريخ الإستلاب والإستعباد والتنكيل ، وتلك من أولى مهام المجتمعات الحيّة .
* والمقدمة التي نُريد تأكيدها هنا : أنَّ المُركّب البُنيوي الذي تعتمده هذه الرؤى والتأسيسات تقوم على ثوابت (( الأصالة ، الحداثة ، التنمية )) ، والتي نرى فيها جامعاً مشتركاً يضمن تلاقي خطوط مدارسنا العراقية على تنوعها ، فتخوفنا الأساس فيما يخص التجربة القادمة يكمن في هذا التضارب والإحتراب التنظيري والبنيوي والمدرسي والسياسي المُرشّح تفاقمه بسبب تعارض المدارس العراقية المتصدية لمهام بناء وقيادة التجربة القادمة . من هنا كان من الواجب السعي لإبداع مُركّب بنيوي يضمن تلاقي هذه المدارس على أرضية جامعة ومشتركة تضمن لوطننا الإستقرار ولمجتمعنا الوحدة ولمسيرتنا الإزدهار والتقدم ، وهي طموحات لا يمكنها أن تتحقق دون قيام مشروع وتجربة وطنية تعتمد ثوابت كلية متفق عليها بين نُخب وتيارات المجتمع العراقي ، وهذا ما نبغيه من خلال طرحنا لمركّبنا البنيوي أعلاه .
* إنَّ مهمة خلق تجربة عراقية نوعية تشمل الإنسان والمجتمع والدولة العراقية هي مهمة الكُل العراقي على تنوعه لذا يجب التخلي عن ثقافة الإقصاء أو التجاهل أو الهيمنة ، وهي أيضاً مهمة شاقّة وطويلة تستلزم الوعي والصبر والمثابرة والتسامح والمرونة في إقرارها وتمكينها لجعلها حقيقة قائمة ، وبالذات ما يتعلق بإنتاج دولتنا الجديدة التي تتطلب جُهداً وحرصاً وتسديداً كبيراً لضمان تنشئتها وفق أنظمة وتشريعات ورؤى سديدة ومتطورة لضمان حفظ مكتسباتنا الوطنية وتأصيلها والدفاع عنها .
إنَّ الصفة والأهمية والدور الذي تلعبه الدولة في أنظمتنا وتجاربنا المجتمعية لهو دور حاسم تتوقف عليه مجمل التحولات المؤمّلة لمسيرتنا الوطنية ، فالواقع أنَّ الدولة والسلطة وعموم أجهزة الإدارة للتجربة الوطنية تمتلك الدور الجوهري والأساسي في تقنين وتنظيم وتوجيه المجتمع سلباً أو إيجاباً ، حتى في المجتمعات المتطورة التي تعتمد آليات التنظيم المجتمعي المدني الفاعل فإنَّ دور الدولة لهو الدور الأول والأساس في قيادة وتنظيم وترشيد مجمل العمليات السياسية والمجتمعية والسيادية ..الخ ، من هنا كان لزاماً علينا الإهتمام المُضاعَف والدائم والمسؤول بمشروع الدولة ورفده بمقومات التجذّر والقوة والسيادة لضمان الحفاظ على المصالح العليا للأُمّة العراقية .
* إنَّ العراق أمام جملة من التحديات المصيرية ستترتب على ضوء معالجتها والتعاطي الإيجابي والواعي والفاعل معها مستقبله وتجربته القادمة ، ولعل تحدي إقامة دولة عراقية صالحة ومسؤولة وعادلة ومتطورة يأتي في مقدمة التحديات الهامة والأساسية التي يجب أن نواجهها ببصيرة وجرأة وعلمية ونزاهة .
ونرى - ولضمان قيام دولة عراقية متميزة تغاير كافة تجاربها الكارثية – وجوب التأكيد على ضرورة إعادة النظر بكافة القوانين والأُطر والمناهج التي أقدمت عليها وأقرتها وسنّتها السلطات الكارثية التي عرفها العراق ، فالتغيير الذي ننشده يجب أن يكون جذرياً وشاملاً يطال كيان الدولة وكافة مظاهرها وتأسيساتها من العَلَم والشعار والأوسمة والسلام الوطني إلى القوانين والتشريعات والأنظمة والإجراءات ،.. فلابد وأن تُقبر أُسس التجارب الكارثية المدمّرة التي حلت بنّا وتُقتلع جذورها ، والخطوة الأولى تتمثل بنفي وإقصاء كافة معالم وخصائص هذه التجارب الكارثية ، والشروع في وضع أُسس جديدة صالحة وهادفة ومتطورة للنهوض والإنبعاث المجدد بإنساننا ومجتمعنا ودولتنا ،.. وهنا فإننا في حقيقة الأمر نقوم بإنتاج دولتنا لأول مرة ، بعد أن صادرتها وجيرتها السلطات المتعاقبة على حكم العراق الحديث .
** ** **
تتلخص رؤية هذه الورقة للدولة والتجربة العراقية القادمة بالمبادئ العامة التالية :
1)) رفض كافة أشكال الأنظمة والبرامج والتجارب الدكتاتورية لقيادة وإدارة المجتمع والبلاد تحت أي مسمّىً كان حاضراً ومستقبلاً ،.. وتلك من أهم وأقدس المهام الوطنية التي تقع على عاتق أُمتنا العراقية سواء في رفض ألوان الحكم المستند إلى الأنماط الإستهلاكية من الشرعيات التقليدية القائمة على الفرد الأوحد والطبقة النخبة والقومية النقية والطائفة الضيقة ،.. أو الشرعيات الثورية المزيفة والفاقدة للأُسس القانونية والدستورية والرضا الشعبي .
إنَّ انغلاق الحكم وانسداد أُفقه وامتناعه عن التطوّر ، وإبعاد الأُمّة عن المشاركة في الحياة السياسية ، والإنفراد المطلق بالقرار والسياسة والإدارة العامة للدولة ، والحرمان من التمتع بحماية القانون وانتفاء المؤسسات الدستورية والمدنية الحقيقية ، وقمع الحريات ومصادرة حقوق الإنسان ، ونفي التعددية وحق الإختلاف وتعدد الإجتهادات والرؤى في إدارة الحياة ، وشيوع الإستبداد الشامل والخوف المُنظّم والقمع المتصل والإخضاع المُبرّمج والإكراه الدائم ، إضافة للتجهيل المتعمد وتسطيح الوعي وبروز معالم القمع والرعب والإرهاب والنفي والإعدام والإعتقال التعسفي والإستعانة بقوانين الطواريء وافتعال الحروب والأزمات الخارجية وسيادة دور الشرطة والعسكر ودوائر الأمن ،..كل هذه الإفرازات السلبية ما هي إلاّ نتائج أكيدة لأنماط الأنظمة والتجارب الدكتاتورية التي يجب القضاء عليها ونفيها من ساحتنا الوطنية .
وهنا يجب الإعتناء بتوفير جو قانوني وثقافي جديد في التعاطي مع الدولة والسلطة للقضاء على جذور ومناشيء الدكتاتورية والإستبداد ، ومنها : الفصل التام بين الدولة والسلطة ، فالدولة يجب أن تتكامل وتتجذّر وتبقى ببقاء مؤسساتها الثابتة من خلال دستور دائم ومؤسسات القضاء والمحاكم العليا والجيش وقوى الأمن وسائر مؤسسات البلاد الإقتصادية والعلمية والتربوية ..الخ ، فمنظومة القوانين الدستورية وهياكل الأجهزة الرسمية وأنظمة البلاد الأساسية إنما تمثل الدولة العراقية التي هي تعبير عن العراق كأُمّة وأرض وسيادة فهي ثابتة ودائمة ومعزولة عن السلطة (( الحُكم المباشر )) ، في حين أنَّ السلطة هي إدارة عامة وفق برنامج مُحدد لحزب أو جهة تُنتخب شعبياً لإدارة العمليات السياسية والإقتصادية والثقافية ..الخ ، أي أنَّ السلطة التي تمارس الحكم إنما هي تجربة إدارة عامة لشؤون البلاد وفق ثوابت الدولة العراقية ، وبقاء السلطة مشروط بالقبول والرضا الشعبي المُستحصَل من خلال آليات الإنتخاب الديمقراطي النـزيه ،.. وبذلك نضمن عدم تجيير الدولة لصالح السلطة وعدم إستبداد السلطة واحتكارها للدولة ككل .
كما أنَّ نفي مظاهر التعظيم والتفخيم غير المُبرر لرجالات الدولة أو السلطة وذلك من خلال الإمتناع عن لصق الألقاب الرنانة والصفات المبالغ فيها والتي توغل في صنع الدكتاتوريات التي ترى تميّزها وتفردها بالعقل والخبرة والدم الأزرق !! ونفي مظاهر الإسفاف في الولاء من خلال الصورة والدعاية ومظاهر التبجيل ، وخلق ثقافة السؤال والمحاسبة والإستقالة للمسؤولين ، وإشاعة مفاهيم التكافؤ والتواضع والإندكاك في الأوساط الجماهيرية ، واعتبار الموقع مسؤولية لا امتيازاً ، واعتماد معايير الكفاءة والخبرة بدل الأنساب والمحسوبيات ، والإحتكام للقانون وسيادة الأنظمة على الجميع .. الخ ، كل ذلك يضمن لنا تحجيم وطرد ثقافة الإستبداد والتفرد بالرأي واستغلال السلطة والإنتفاع غير المشروع من الحكم والمسؤوليات الرسمية .
2)) إستقلال العراق ووحدة شعبه ومجتمعه ، وسيادته الكاملة على أراضيه وحدوده المعترف بها دولياً .
إنَّ استقلال العراق يتجسد في مبادئه وسياساته وقراراته النابعة من مصالحه الوطنية العليا ، ويبرز من قراءاته ومواقفه غير الخاضعة للهيمنة والوصاية ، ويتأكد من خلال خططه الشاملة للإقتصاد والأمن والتحالف الخارجي ، فاقتصاد قوي وأمن شامل وتحالف مُتكافئ هي الركائز العملية للإستقلال الكامل .
كما أنَّ الوحدة الشعبية والمجتمعية تتجسد في إلغاء كافة مظاهر التمييز والتفرقة القومية والدينية والطائفية والسياسية ، واعتبار الكُل العراقي سواسية في الحقوق والواجبات ، وتعميق وترسيخ قيم المواطنة وأُسس المشاركة الحقيقية الكاملة للمواطنين في إدارة الدولة والقيام بالأنشطة الوطنية على تنوعها ، وبالسعي للقضاء على الفجوة بين الدولة والأُمّة من خلال الإنبثاق الطبيعي للدولة والسلطة من رَحم الأُمّة ذاتها ، وبالتفاني لتطبيق السياسات العادلة والمتوازنة والحكيمة الهادفة لخدمة الوجود العراقي برمته ، مما ينفي أي شعور بالتمييز وأي مُبرر للإنقسام المجتمعي .
كما لابد وأن تتجسد السيادة على شكل ثوابت وطنية غير قابلة للإختراق أو الإخلال أو المتاجرة من قبل أية جهة ولأي شأنٍ كان ، فسيادة الدولة على رقعتها الأرضية ونطاقها المائي ومجالها الجوي ، وسيادتها في شؤونها الداخلية وسياساتها الخارجية ، وسيادة إنسانها وقوانينها وقيمها .. لهي ثوابت السيادة العراقية .
3)) الإختيار الشعبي الحر والنـزيه والمتماشي مع آليات الإنتخاب الديمقراطي الصادق والتمثيل النيابي البرلماني العادل ، هو الأداة المُثلى لإقرار أنظمة العراق السياسية وإنشاء كياناته الحاكمة لإدارة برامجه الوطنية ككل ، والعمل الدائم بمبادئ التعددية السياسية ، وتداول الحكم سلمياً بعيداً عن العنف والتحكم القسري بالسلطة ، وعدم الإخلال بتوازنية السلطة بما يعكس واقع البلد وتعدد مكوناته القومية والدينية والطائفية .
إنَّ إعتماد آليات الفرز والترشّح والإنتخاب والإختيار الديمقراطي لإدارة تجربة الحُكم والسلطة إنما تُقر من خلال الإحتكام إلى إنتخابات حُرّة بإشراف من الهيئات الدستورية لضمان نزاهتها ، ويتم التسليم بنتائج صناديق الإقتراع بفوز الأكثرية والأغلبية في تشكيل الحكومة وقيادة الشأن العام
مثل هذه الآليات تضمن لنا تداولية السلطة بشكلٍ إنسيابي وقمع احتكارها تحت أي عنوان ، وتضمن سلمية الحياة السياسية البعيدة عن التصفيات الدموية والتسلّق اللصوصي والإنقلابي في الوصول إلى الحُكم ، وتضمن أيضاً توازنيتها بعيداً عن التعسف والإضطهاد والإضرار بحق أية شريحة أو طبقة مجتمعية داخل إطار الوطن الواحد .
4)) العمل على توكيد دولة القانون ، فالكل سواسية أمام القانون من الرئيس إلى المرؤوس دونما تمييز على أساس عرقي أو ديني أو طائفي أو إجتماعي أو وجاهتي ، وتوثيق الشرعية الوطنية على ضوء دستور عادل ودائم ومسؤول للدولة العراقية يمثّل وثيقة وطنية رسمية تشتمل على المباديء والقواعد والأحكام والصلاحيات والإلتزامات التي تُصاغ على أساسها الحياة السياسية والمجتمعية للبلاد ككل ،.. والعمل بمبدأ فصل السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ،.. واعتماد مبدأ توزيع السلطات والمنع من تركيزها بيد جهاز واحد لضمان عدم تجبّرها وطغيانها العملي ، ولضمان قيام حياة سياسية قانونية منضبطة ومتخصصة ضمن دوائرها وحقولها ،.. واستحداث أجهزة ومؤسسات حماية الدستور والمحكمة الوطنية العليا وعموم أجهزة الرقابة والمحاسبة القانونية للإشراف على سير وتطبيقات أجهزة الدولة ومساءلتها ومحاسبتها .
5)) الإقرار بالتعددية القومية والدينية والطائفية والسياسيـة كمكونات حقيقية للشعب العراقي ميزته طيلة وجوده الحديث ، فعلى الدولة والتجربة العراقية القادمة الإقرار والعمل على تمتع الكُل العراقي بنفس الحقوق والواجبات الوطنية دونما أدنى تمييز أو تهميش أو إقصاء بسبب العِرق أو الطائفة أو الإنتماء ، لضمان شيوع العدل وسيادة الحقوق وتحقيق المساواة لكافة أبناء الوطن .
وفي هذا الإطار نرى : بأنَّ صيغة الحكم الفيدرالي تُعتبر إحدى التطبيقات الممكنة لنيل الحقوق المشروعة لشعبنا الكردي ، على أن تُعرض على الشعب العراقي ككل من خلال استفتاء حقيقي يُحدد صيغ التنظيم المجتمعي والسياسي داخل إطار الوحدة العراقية شعباً وأرضاً ودولةً ،.. وعندما نقول بأنَّ الفدرالية تُعتبر إحدى التطبيقات الممكنة كوننا لا نحصر الحل بالمسألة الفدرالية فحسب بل نترك الباب مفتوحاً لأية صيغة تُحقق لشعبنا الكردي ولكافة قومياتنا وطوائفنا العراقية الحقوق المشروعة ضمن الوحدة والسيادة العراقية الكاملة غير المنقوصة ،.. لذا فمن التطبيقات الممكنة الأخرى : قيام دولة المشاركة الوطنية التي تعتمد الكُل العراقي على تنوعه دونما استثناء لإدارة شؤون بلدهم إستناداً على قاعدة (( الشّراكة الوطنية )) الكاملة والعادلة وذلك من خلال حياة برلمانية حقيقية تقوم على أساس الإنتخاب الحر والتمثيل النيابي الحقيقي لكافة مكونات الشعب العراقي ، على أن تُضمن الحقوق المشروعة لإخوتنا الكُرد دستورياً وقانونياً بشكل غير قابل للإختراق والتجاوز من قبل أية حكومة ،.. وهذا التصور يشمل جميع إخوتنا من القوميات والطوائف الأخرى كالتركمان والآشوريين والكلدان والصابئة وغيرهم من أبناء وطننا العراقي الحبيب ، لإنتاج دولتهم التي هي مُلك الكُل العراقي دونما أدنى تمييز أو ظلم أو احتكار .
6)) الإقرار الدستوري والقانوني بالحريات الخاصة والعامة التي تضمن للإنسان العراقي حرية التعبير والإختيار والتّملك والعمل والتظاهر والإضراب والإجتماع والسفر ..الخ ، واعتمادها كحق إنساني ووطني أصيل وليس حقاً مكتسباً من الدولة ، وصياغة كافة الأنظمة والقوانين على أرضية حقوق وكرامة وحيثية إنساننا العراقي ،.. وأيضاً إطلاق الحريات الإعلامية لكافة وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية لضمان شيوع الوعي والإرتفاع بالحس السياسي والتحليلي والإستنتاجي للمواطنين ، ولضمان رصد الحقيقة ومتابعة الشأن العام للدولة وخط سير المؤسسات والإحاطة الواقعية بمجريات الأحداث في العالم دونما تعتيم أو مراقبة أو تعمية ،.. وأيضاً إطلاق فاعليات المجتمع من خلال السماح بتشكيل الأحزاب والجمعيات والإتحادات والمؤسسات المجتمعية المدنية البنّاءة والهادفة والمسؤولة وبما يتفق مع الدستور وقوانين البلاد .
7)) إعتبار الإنسان العراقي (( ذكراً أو أُنثى )) هو الثروة الحقيقية للبلاد ، لذا على التجربة والدولة العراقية القادمة تنميته وترشيده ودعمه وتوفير كافة المستلزمات والإمكانات لرقيه القيمي والأخلاقي والمعرفي والعلمي والحضاري ، وجعل ذلك أولوية كُبرى لبرامج البلاد . ونؤكد هنا على الثروة البشرية والعلمية والإقتصادية الهائلة المتمثلة بالتواجد العراقي الكبير في المهجر ، وعلى الدولة العراقية العمل الدؤوب لتسهيل إعادة هذه القطاعات الهامة من أبناء شعبنا من خلال سن التشريعات وإعطاء التسهيلات للتمهيد لعودتهم إلى أرض الوطن ، والتنسيق والدعم والتبني والتعاون مع مَنْ يُريد البقاء خارج الوطن .
إنَّ اعتبار الإنسان هو الثروة يعني في عمقه إعادة إدراك القيمة الإنسانية والوطنية للإنسان كوجود مُستهدف من جملة الرؤى والأنظمة والبرامج والتشريعات ، وكافة الشرائع السماوية والأرضية إنما تستهدف الإنسان في حركتها الكلية تنميةً وترشيداً وتعليماً وتربيةً وسعادةً .
8)) مدنية السلطة السياسية الحاكمة ، لذا يجب عدم عسكرة الحياة السياسية في عراق الغد سواء على صعيد الفكر أو البرنامج أو المنهج ، وأيضاً سلمية عموم الحياة السياسية العراقية بعيداً عن الأساليب الدموية سواء في إدارة الدولة أو في حركة المعارضة لها .
ونرى ضرورة التأكيد على إعادة بناء الجيش العراقي وعموم مؤسسات الأمن الداخلي وفق مقومات المهنية والدفاع وآليات العمل السلمي والقانوني ، ووجوب إعتماد إستقلالية منتسبي السلك العسكري بما يضمن عدم التدخل في الحياة السياسية وتجنب التورط في الحروب الخارجية .
كما نرى ضرورة إزالة كافة أسلحة الدمار الشامل وتنقية العراق منها نهائياً وتفكيك البُنى التحتية للصناعات النووية والكيمياوية والجرثومية التي هددت وتُهدد أمننا واستقرارنا وتستنـزف إمكانات البلاد دونما طائل .
إنَّ الجيش وكافة قوى الأمن الداخلي من المؤسسات الوطنية التابعة للدولة ، لذا عزلها عن السلطة يعني القول بهويتها الوطنية المنتمية للأُمّة العراقية ككل ، الأمر الذي يستدعي رفض أية ميول سياسية ضيّقة واتجاهات حزبية خاصة من التوغل والتأثير على هذه المؤسسات ، فذلك مما ينفي استقلاليتها وانتماءها للأُمّة ويُدخلها كأداة صراع في كسب النـزاعات السياسية داخل الوطن ، فالإنقلابات والإنقلابات المضادة بما يُصاحبها من دمار وكوارث على الأمن والإستقرار والتنمية هي نتائج طبيعية لتسييس الجيش وإدخاله كأداة لتصفية الخطوط السياسية وطريقاً للوصول إلى السلطة .
كما لابد من التأكيد على وجوب إلتزام كافة الأجهزة الأمنية بالقوانين المرعية والنافذة في البلاد والتي يجب أن تقوم على احترام حقوق الإنسان وحرياته المشروعة وكرامته المطلقة ، لذا فلا اعتقال أو حبس أو توقيف تعسفي غير قانوني ، وكافة أنماط الجريمة والعقاب لا تتم إلاّ بنص قانوني ، ويجب إعادة النظر الشاملة بقوانين التوقيف والعقوبات والسجون بما يتلائم وكرامة الإنسان وحيثيته .
9)) كافة الأُطر القانونية والتشريعات الإقتصادية وعموم برامج الأنشطة الرسمية للدولة العراقية ، من اختصاص مرافق الدولة مجلس الأُمّة وهيئات الحكم التشريعية والتنفيذية المنتخبة ، وإن كانت رؤيتنا تقوم على تبني آليات إقتصاد السوق في تفعيل أوجه الحياة الإقتصادية للبلد ،مع الإقرار بملكية وسيطرة الدولة على الثروات الأساسية كالنفط ، ومراعاة أنظمة الضمان والتكافل والعدالة في التشريع والخطط الإقتصادية وبما يضمن تلاشي الطبقية الفاحشة وقمع الفقر والعوز والحاجة ويُحقيق الرفاه الإقتصادي كهدف يشمل كافة شرائح مجتمعنا العراقي ، وأيضاً حماية الدولة لمبدأ الضمان والتأهيل الإجتماعي بما في ذلك مجانية التعليم في كافة مراحله من الإبتدائية إلى التعليم العالي ، ومجانية خدمات الرعاية الصحية ، وضمان حق العمل وحق التقاعد والتعويض والتأمين الصحي ، وعلى الدولة تحمل الأعباء الإقتصادية تجاه الكوارث العامة التي تُصيب المواطنين كما في حالات الزلازل والفيضانات .
إنَّ الدولة مسؤولة بشكل مباشر عن وضع الخطط الإقتصادية التي تضمن النهوض الصناعي والتجاري والزراعي الشامل ، وبضمان خلق التوازن والإستقرار والتنمية المجتمعية العامة ، وإقرار العدل في توزيع الثروات وفي رعايتها وتنميتها والإبتعاد بها عن التوظيف المنحرف والإستغلالي والفئوي باعتبارها عصب الحياة والأساس الطبيعي الذي تستنده كافة عمليات البناء والتقدم الوطني.
10)) العمل على إعادة اللُحمة للشعب العراقي بما يعزز من وحدته وتماسكه وذلك من خلال إلغاء الطائفية الدينية والسياسية والقومية التي اضّرت بالنسيج المجتمعي ، والعمل على تنظيم قوانين وثقافة الإنتماء الوطني الجديد المتناسب مع مخاضات التجارب القمعية والتفتيتية للبُنية العراقية بما في ذلك تنظيم الأُطر القانونية للجنسية العراقية ، وإعادة الإعتبار والممتلكات لقطاعات الشعب المتضررة من السياسات الإجرامية لنظام الطاغية صدام حسين ، وسن القوانين والمحاكم الخاصة بمحاكمة أقطاب السلطة وأزلامها على جرائمهم بحق شعبنا منذ توليهم لزمام الحكم عام 1968 ، وأيضاً المباشرة بجرد ممتلكات الدولة داخل الوطن وخارجه ومحاسبة رؤوس وأقطاب السلطة على ممتلكاتهم المالية والعقارية وغيرها وملاحقتها قانونياً ودولياً .
11)) أُطر وصيغ ومناهج وأشكال العمل الديني والسياسي والمجتمعي العراقي على تنوعه يجب أن تقوم على مباديء ؛ عراقية هذه الأُطر ، إستقلاليتها عن الغير ، سلميتها في الأداء والعمل ، وطنيتها في التوجه والولاء ، حفاظها على الوحدة والسيادة العراقية .
وهنا ؛ فإنَّ التداخل والتشابك الحاصل حالياً تحت عناوين دينية أو طائفية أو قومية يجب أن يُحل على أساس المواطنة والوطن العراقي ، فلا يمكن قبول نفوذ أو سيطرة أو تأثر أو إنتماء أو ولاء أي إطار أو رمز أو نخبة لا تنتمي إلى العراق كهوية وطنية وولاء وطني ، كما لم يعد مقبولاً تبعية الفكر أو الرمز السياسي والديني والقومي إلى خارج الوطن ، وأيضاً فأي فعل أو ممارسة سواء في جوانبها السياسية أو المجتمعية أو الدينية يجب أن تلتزم بالأُطر والمناهج السلمية البعيدة عن العنف والإقتتال ، وبوجوب الإلتزام المطلق بالقيم والتطبيقات المعززة للوحدة والنافية للتشتت المجتمعي ، وبوجوب الإحتكام إلى الحوار وحل الإختلافات بالطرق السلمية ، وجعل الولاء الوطني قيمة عليا لا يمكن تجاوزها ، بما يُعزز سيادة وأمن ووحدة واستقلال العراق .
12)) التبني الفكري والبرامجي لتمكين وترسيخ حياة وثقافة السلم والأمن والحرية وكافة قيم وحقوق الإنسان الطبيعية والوطنية المشروعة ، وجعلها ثقافة حيّة مُجسدّة قانونياً وتطبيقياً وحمايتها دستورياً .
إنَّ ثقافة الحرب والإضطهاد والإذلال ومصادرة الحريات والحقوق الطبيعية ،لهي من أهم مظاهر الإستبداد الشامل الذي طُبعت به الحياة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ، والمطلوب النهوض ببرنامج وطني شامل يتنوع سياسياً واجتماعياً وثقافياً لتأسيس حياة مدنية تتسم بالسلام والتسامح والأمن والكرامة .
13)) تسوية التركة الكارثية لنظام الطاغية صدام حسين في أبعادها القانونية والسياسية والإقتصادية مع كافة الدول الإقليمية والدولية وفق تفاهمات ومعاهدات ثنائية عادلة أو وفق المواثيق والقوانين الدولية بما يخدم واقع ومستقبل العراق ، وعلى أساس أنها تركة نظام دكتاتوري شاذ يجب عدم تحميل الشعب العراقي أوزارها وضرائبها ،.. والسعي الرسمي والشعبي للمطالبة بالوقوف مع العراق لإعادة بناء مرافقه ومؤسساته وتأهيله لتخطي الكوارث الإقتصادية والحضارية التي خلّفتها السياسات الحمقاء واللامسؤولة للنظام العراقي .
14)) سياسة العراق تكاملية وإيجابية مُسالمة مع محيطه الإقليمي والعالمي تقوم علـى حُسن الجوار والتعاون والإحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ، وتسوية كافة مشاكل العراق السيادية والإقتصادية والسياسية بالطرق السلمية ووفقاً لأجواء الثقة المتبادلة والمعاهدات الثنائية وأنظمة القوانين والتشريعات الإقليمية والدولية ، والحضور والمشاركة الفاعلة في المحافل والأندية والمؤسسات العربية والإسلامية والدولية لضمان القيام بدور عراقي إيجابي في حل النـزاعات وتطوير قواعد التعاون والنهوض العام برسالة التناغم والتطور الإنساني .
15)) إحترام المواثيق والقوانين والمعاهدات الدولية بما يخدم قضايا العـدل والسلام والأمن والإستقرار الإقليمي والعالمي ، ونبذ ومكافحة العنف والإرهاب لضمان سيادة السلام العالمي بين الشعوب والحضارات الإنسانية . إنَّ تحقيق متطلبات الأمن والعدالة والإستقلال والرخاء وكافة الحقوق الوطنية المشروعة لكل الشعوب والأُمم بعيداً عن إرهاب الأفراد والجماعات والدول لهو هدف إنساني على الشعوب كافة التعاون لإنجازه بما يُحقق الأمن والسلام العالمي .
16)) تبني القيم الدينية الرفيعة والأخلاقية الفاضلة والعلمية الراقية والحضارية المسؤولة في إقرار وتنظيم مجمل عمليات البناء المجتمعي لعراق الغد .
إنَّ مهام البناء لإنساننا ومجتمعنا ووطننا يجب أن تلحظ كافة المنظومات التي تستهدف الإنسان كمشروع قيمي وتنموي وتوعوي وتربوي وعلمي وتكاملي شامل يجهد للنهوض به كوجود هادف ومسؤول بعيداً عن الإنحراف والجهل والتطرّف والإنغلاق ، وبما يُعزز الفضيلة والتقدم والتطور في مجمل حياة إنساننا العراقي .
وفي هذا الإطار نؤكد على ضرورة اعتماد سياسات وخطط تعليمية جادة ومتقدمة لضمان خلق نهضة علمية وتقنية شاملة ، وأيضاً لابد من إعادة الإعتبار للعلم والعلماء والمتخصصين والكفاءات والخبرات النوعية وعموم الجامعات والمعاهد العالية والمؤسسات العلمية والبحثية وتشجيعها ودعمها بالإمكانات والحوافز المتنوعة ، ونرى ضرورة تخصيص وزارة ذات موارد مالية ضخمة لتسيير خطط وبرامج النهضة العلمية في البلاد ، واعتبار العلم والتقنية مورد من الموارد الأساسية للبلاد .
ومع ثورة المعلومات والإتصالات والتقنيات الحديثة والتي جسّدت الإنسانية من خلالها قفزات نوعية جبارة في ميادين الحياة المختلفة ،تبرز أمام مجتمعنا ودولتنا مسؤوليات ضخمة في العمل الجاد والمتواصل لهضم وتمثّل هذه الإنجازات الكونية الكُبرى ،.. من هنا فالتطوير الأمثل للمعلومات والأفكار ، والإدارة المُثلى للإمكانات المادية ، والتأهيل والتنمية الدائمة للكفاءات البشرية ، وضمن حاضنٍ من التوظيف الراقي في التخطيط العلمي والتنظيم الإداري .. يضمن لنا الإنبعاث المتجدد لردم الهوة وتلافي عهود التقهقر الذي أنتجته التجارب الكارثية لمسيرتنا العلمية والنهضوية .
17)) الإهتمام الإستثنائي بالأُسرة كوحدة إجتماعية فاضلة وأساسية في بناء مجتمعٍ متماسك وعلى الدولة حمايتها وصيانتها وتدعيم قيمها ووحدتها دستورياً وقانونياً ، وأيضاً العناية الفائقة بالطفولة من خلال النهوض الصحي والتعليمي والتربوي بها ، وعلى الدولة صرف مخصصات الطفولة لكل عائلة ،.. وأيضاً العناية الكاملة بالأُمومة كحاضن طبيعي لتنشئة الأجيال وعلى الدولة واجب الرعاية الإقتصادية والصحية والإدارية للأُم عند الحمل والوضع والرعاية لمدة سنتين ،.. وأيضاً العناية الفائقة بالشيخوخة والعجز واليُتم والترمّل والتعويق بما يشمله من قوانين الرعاية الإقتصادية والصحية والمعنوية .
18)) الإرتفاع بدور المرأة العراقية ككيان إنساني كامل وفاضل ، لها الحق في التعلّم والعمل والبناء والإنتخاب والترشّح والمشاركة في أنشطة الدولة والحياة العامة .
إنَّ على الدولة تنفيذ مشاريع وطنية شاملة لمحو الأُمّية اللّغوية والثقافية في أوساط المرأة ، وتنظيم برامج متخصصة لرقيها القيمي والفضائلي والعلمي والتأهيلي لمزاولة إمكاناتها وقدراتها الكبيرة بُغية المشاركة الفاعلة في نهضة أُمتنا العراقية التي يجب تحفيز وتنشيط ودعم كافة قطاعاتها وفئاتها للمساهمة في عمليات البناء والتقدم الوطني العام والشامل .
19)) دعم وترشيد وتعزيز وتطوير الفئات والقطاعات الشبابية بما يُعزز من أصالتها وانتمائها ورقيها العلمي والأخلاقي والحضاري .
إنَّ النهوض النوعي والشامل ببلدنا ، وتخطي الإخفاقات الكارثية بزمنٍ قياسي ، وتأهيله المجدد للتطور والتقدم ،.. لهو رهن إقرار خطط تنموية وتأهيلية جادة وهادفة ومتطورة تستهدف الشباب كطاقة مجتمعية رئيسة في إجراء التحولات الوطنية المطلوبة .
ونُجزم ؛ أنَّ خلق ذات وطنية عراقية نوعية جديدة فاعلة وأصيلة ومتطورة تتلافى إنتكاساتنا التأريخية التقليدية ، إنما هو رهن خلق تجربة وطنية شبابية تُشارك بعمق ووضوح في قيادة فاعليات مجتمعنا الرسمي والمدني في أنشطته العلمية والعملية كافة .
وعليه يجب أن تُفتح كافة الأبواب أمام قطاعاتنا الشبابية (( من الذكور والإناث )) دونما حواجز أو معوقات متأتية من النظرة التقليدية القاصرة تجاه الشباب ،.. إنَّ تخصيص الوزارات والجامعات والمعاهد ودور البحث والتأهيل ، وتوفير الإمكانات المادية والعلمية والتقنية والمراجع والمختبرات ، وتأمين أجواء الثقة والأمن والدعم لتولي فئاتنا الشبابية مقاليد القيادة والريادة المجتمعية على تنوعها ،.. لهي من أهم وأقدس واجبات الدولة .
** ** **