في التربية الديمقراطية

حسين درويش العادلي

abuhabib1@hotmail.com

Tel : 07901 43 44 23

((1))

   إنَّ الديمقراطية الراسخة لابد لها من مقومات أساسية تعتمدها في النشوء والإرتقاء ، فكما هي مرتبطة بالدولة والتشريعات والأنظمة والقوانين .. فهي مرتبطة أيضاً بالثقافة المجتمعية الشاملة التي يجب أن تقبل باستحقاقاتها في الحرية والتسامح والحوار والتعددية وقبول الآخر والنقد والمحاسبة والشفافية والولاء والتضامن الوطني ،.. وكما هي مرتبطة بالموارد والإمكانات .. فهي مرتبطة بالتنمية البشرية الشاملة في أبعادها السياسية والإقتصادية والتعليمية ،.. وكما هي وليدة شكل النظام السياسي .. فهي أيضاً رهينة فاعلية المجتمع المدني بمؤسساته وهيئاته وقواه الحيّة الناشطة ،.. وقبل هذا وذاك فالديمقراطية مرتبطة بالتربية المفاهيمية والتطبيقية .

  ابتداءاً يجب أن نؤكد : إننا نولد ومعنا الإستعدادات الأولية للنظام الديمقراطي ، بمعنى إننا نمتلك تكوينياً إستعدادات التعايش واحترام الرأي ورفض الظلم والتسلّط ، ولكننا في الوقت نفسه نولد وليس معنا أدوات الديمقراطية كفن وآلية تمكننا من إقامة حياة وادعة متقدمة ، ولكننا نكتسبها بالمعرفة والخبرة والإنضباط ، أي أننا نكتسبها بالتربية.

   إنَّ الديمقراطية تعني مساعدتنا على أن نُعلن آرائنا ومواقفنا بإيجابية وسلام وإبداع ، ومن ثَمَّ هي أدوات لتجسيد قبولنا أو رفضنا بقناعة ورضا ذاتي استناداً إلى إرادتنا الحُرّة .

   والديمقراطية تعني أن نشترك في التفكير والعمل بمهارة لإدارة الإختلاف والصراع فكرياً وتطبيقياً ،.. ونقول إدارة الصراع وليس حل الصراع ، فالعديد من الصراعات تستعصي على الحل ، والديمقراطية تعني أنه لا يمكن حل الصراعات أحياناً ولكن يمكن التقليل من أضرارها من خلال إدارة الصراع الإنساني الناجم بفعل اختلاف المباديء أو المصالح ،.. ولأننا جميعاً نحتاج أن نحيا بأمن وسلام وازدهار .. كان لزاماً أن نتسامح ونتفهم وجهات النظر المتباينة وأن نحترمها وإن كانت غير مقبولة لدينا ، وأن نُدرك أنَّ الشخص أو الفئة التي لا تتفق معنا بالرأي أو الموقف ليس بالضرورة شريراً، وهذا ما تجود به الثقافة الديمقراطية التي تعني أيضاً أن نفهم ونناقش الأسئلة الصعبة بدون انفعال أو تسقيط على أرضية إيجاد الحلول الوسط .. وهي المساحة الوسط التي تجمع رؤانا ومواقفنا بما يُحقق الرضا المشترك ، من هنا كان من أهم أدوات الديمقراطية تحديد نقاط الإتفاق والمراهنة عليها والعمل على أرضيتها كي نعيش فيها إلى أن نتوصل إلى حل أفضل .

((2))

   على أننا نؤكد ، أنَّ بلوغ المستوى المطلوب في التربية الديمقراطية يتطلّب بنى تحتية أساسية في بناء الإنسان والمجتمع والدولة ، وفي طليعتها التوعية المفاهيمية لمفرادت : الدولة ، الحكومة ، الوطن ، المواطنة ، الإنتماء ، الهوية ، الثقافة ، المصالح ..الخ ، فإنَّ الخلط بين هذه المفاهيم أوجد ثقافة تربوية لا تعي ما لها وما عليها في خضم البناء الوطني للدولة والحياة العامة ، ولعل من أولى خطايا الإستبداد هو الدمج بين هذه المفاهيم ودوائرها العملية واختزالها في بودقة الأنا المستبدة مما أنتج لدينا شخصنة كاملة للحياة والدولة .

   إنَّ الوطن ثابت حيوي عضوي مُحايد وحاضن للكُل الوطني ، والدولة إطار مؤسسي ناظِم ورابط للأرض والمجتمع والنظام والسلطة ، والحكومة هيئة لإدارة فاعليات المجتمع والدولة ، والمواطنة انتماء وعلاقة عضوية متبادلة بين المواطن والدولة تعلو عن أي أنتماء عنصري أو طائفي ضيّق ، والهوية صيرورة وكينونة تُعبّر عن المكنون القيمي والحضاري والفعلي للمجتمع ، والثقافة جوهر التعبير عن الأنا الجماعية في ثوابتها ومتغيّراتها ، والمصالح تجسيد للهدف الشخصي والجماعي المُحقق للغايات على تنوع مصاديقها ،  إنَّ التربية الديمقراطية ذات طبيعة وأهداف مترابطة وعضوية لا يمكن أن تُنتج دون بُنى تحتية واعية ومتجذِّرة لهذه المفاهيم وتطبيقاتها .

((3))

   إنَّ على التربية الديمقراطية أن تجهد لإنعاش وتنمية القيم الإنسانية من تسامح واحترام وتعايش وتعاون كقواعد لبناء ثقافة ديمقراطية بنّاءة ، وعليها أن تسعى وبجد لتنمية روح المواطنة في خضم التحوّلات الجوهرية الحاصلة في بلدنا ، كما أنَّ تنمية الشعور بالمسؤولية المدنية العامة من خلال الخدمة المشتركة للمجتمع والدولة وتنمية الوعي الإجتماعي والسياسي والمساهمة الحقيقية لتحقيق المصالح الوطنية العامة .. جزء أساسي من البناء التربوي الديمقراطي الحافظ لكيان الوطن والمُحقِق للأهداف ومصالح المواطنين ، فالمواطن يجب أن يعي أنَّ الفردية السَلبية والإنتهازية واللا مبالاة ستنعكس مباشرةً على حياته الشخصية والواقع الذي يحياه ، ولا وجود لمصلحة فردية متوزانة وحقيقية فيما لو انتفت المصلحة العامة ، لأنَّ الدولة في عمقها إطار انتماء قيمي ومصالحي لا يمكن بحال تأمين المصلحة الشخصية دون تنظيم وتأمين المصلحة العامة ، والمصلحة العامة هي تعبير كلي عن مصلحة المواطنين فُرادى ومجتمعين .

((4))

   إنَّ الهيكل المعماري الجديد للبناء الوطني يجب أن يعتمد مثلث المعرفة والنظام والمسؤولية ، وهي ذاتها دعائم التربية الديمقراطية المُنتجة ، فسيادة وشيوع المعرفة على تنوع دوائرها ومصاديقها ، واعتماد الحياة شبكة تشريعات متكاملة مُجسّدة لمنظومة الحقوق والواجبات الإنسانية والوطنية ، والإلتزام بفروض المسؤولية تجاه الوطن والدولة والقانون .. سيُشكّل قاعدة متينة لبناء نظامنا الحضاري ، وهي مُهمة الكُل الوطني وكافة تشكيلاته من الأُسرة والسلطة ومؤسسات المجتمع المدني في تظافر وتعاون مشترك لإنتاج التحولات النوعية في تجاربنا القادمة .

**     **    **