


حسين درويش العادلي
Tel : 07901 43 44 23
مُقدّمة
إنَّ نجاح أي فرد أو أية جماعة أو سلطة قرين الإدارة الناجحة، كما أنَّ توافر الإمكانات والثروات والكفاءات لا يُنتج تقدماً ونهوضاً متصاعداً فيما لو افتقد الإدارة العلمية المنضبطة الواعية.
وقد لا نُبالغ إن قُلنا أنَّ من أهم انتكاساتنا الوطنية تمثلت بالفشل الإداري سواء في إدارة الدولة كوحدة سياسية أو المجتمع كوحدة إنسانية، ولا يقتصر الفشل في إدارة الدولة والمجتمع لعامل الإستبداد وحسب بل يمتد ليشمل عوامل التخلّف والهيمنة. ونعتقد أنَّ من أهم مقومات نجاح تجربتنا العراقية الجديدة توافرها على منظومة إدارية متقنة وواضحة ومنضبطة تحكم كافة أوجه الحياة سواء في خطوطها الثابتة كمباديء وقيم عامة أو في خطوطها المتحركة كقوانين وتشريعات متحوّلة.
دراستنا هذه تتناول شكل الإدارة للمجتمع والدولة ضمن الرؤى التحوّلية المؤمّلة في حياتنا العامة، مع التأكيد أنَّ هذه الرؤية تقوم على أساس المزاوجة بين الأصالة والحداثة والتنمية كقاعدة كلية تعتمدها منظومة الإدارة، فالإدارة كأشكال تنظيمية لابد لها وأن تعتمد قاعدة قيمية معرفية تُبرر هذا اللون أو ذاك من أشكال الإدارة، والإدارة وإن كانت قوالب ونماذج تنظيمية بحتة إلاّ أنها بالنتيجة تستظل وتهتدي بمرجعيات قيمية تختزن رؤية كونية معرفية تجاه الإنسان والمجتمع والدولة والسلطة، فنظام الإدارة في الحكم الدكتاتوري المستبد يختلف جذرياً عن نظام الإدارة في الحكم الديمقراطي القائم على إرادة الأمّة واختيارها، وشكل الإدارة المركزي يختلف تنظيمياً عن شكل الإدارة اللامركزي سواء في السياسة أو الإقتصاد، وهنا فالتباين قائم جرّاء اختلاف منظومات القيم في إدارة الحياة الإنسانية.
كما ننوه أنَّ الحديث عن شكل الإدارة للمجتمع والدولة هنا يدخل ضمن إطار الأطر الكلية في التنظيم السياسي والإجتماعي للتركيبة الوطنية على أساس أنَّ الدولة وحدة سياسية إجتماعية .
الإدارة
الإدارة تعبير عن قدرة الدولة -من خلال سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية- لقيادة المجتمع بنجاح وتطوّر في إطار سيادة القانون، ويختزن مفهوم الإدارة الكفاءة الحكومية في جوانب التقنين والتطبيق للمنظومات القيمية والإقتصادية والسياسية للمجتمع، وأخيراً فقد تم الحكم على نجاح الإدارة باعتماد الديمقراطية من حيث القدرة على إدارة العمليات الإجتماعية بنجاح من خلال تدعيم وتوسيع المشاركة الشعبية في الحكم وتقوية حضور مؤسسات المجتمع المدني وريادته للعديد من الفاعليات الإقتصادية والسياسية والثقافية، وأيضاً فقد تم الربط بين جودة وفعالية وأسلوب الإدارة بدرجة نمو ورخاء وتقدم المجتمع، وبهذا نعلم أنَّ إدارة الدولة والمجتمع أعقد من كونها إدارة عامة منظِّمة أو ضابطة لأجهزة الدولة، فهي تمتد لتنظيم كافة أوجه حياة الدولة ومكوناتها الرئيسة المتمثلة بالوطن والنظام والمجتمع والحكومة.
متغيرات
إرتبط شمولية مفهوم الإدارة بالمتغيرات على مستوى دور ووظيفة الدولة ومكوناتها الرئيسة، فمن المتغيرات الحديثة تقلّص دور الحكومة في الإدارة متمثلاً بإسقاط فكرة الإدارة المركزية الوحيدة لحساب الإعتراف بسلطات المجتمع المدني وفاعليات القطاع الإقتصادي الخاص لإدارة أوجه الحياة العامة. إنَّ الفشل في إدارة دفة التخطيط والتوظيف المركزي في مجالات التنمية الشاملة أدّى بالضرورة لتنامي دور مؤسسات المجتمع المدني في تنوعاتها الإجتماعية والإقتصادية مما أثّر على منظومة الإدارة المركزية للدولة وسلطاتها الواقعية.
من جهة أخرى، أدّى ثقل الأزمات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية المتنامية والمُستَجدّة إلى إجراء تعديلات على نمط إدارة الحكومة للسياسات العامة، فلم تعُد الحكومة كبُنية وظيفية بقادرة على إدارة دفة العمليات التنموية والتطوّرية في مناحيها كافة مما أدّى إلى اعتمادها مبدأ الشراكة مع فاعليات المجتمع للنهوض بالواقع وخلق دولة الرفاهية.
كما فرضت المتغيرات العلمية والإقتصادية والحضارية أنماطاً جديدة من أشكال الإدارة ولم يعد بوسع السلطة المركزية الحفاظ على نسقها التقليدي في الإدارة مما أثّر على شكلها وسياستها العامة، ففي ظل مفاهيم وتطبيقات العولمة وثورة الإتصالات والتكتلات الإقتصادية العملاقة وتنامي دور وحضور وثقل الشركات العالمية متعددة الجنسيات.. الخ لم يعد بوسع الحكومة ووفق أنساق الإدارة التقليدية من قدرة على الوقوف أمام ضغوط هذه العوامل مما نال من سلطاتها وقدراتها الإدارية في رسم السياسة العامة والحفاظ عليها ذاتياً.
المفهوم
يمكننا اعتماد تعريف البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لمفهوم إدارة المجتمع والدولة Governance والذي ينص على: ممارسة السلطة الإقتصادية والسياسية والإدارية لإدارة شؤون الدولة على كافة المستويات، من خلال آليات وعمليات ومؤسسات تتيح للأفراد والجماعات تحقيق مصالحها.
وهنا نلحظ أنَّ هذا المفهوم يقوم على ثلاث دعائم أساسية وهي:
1- الدعامة الإقتصادية: وتتضمن عمليات صنع القرارات التي تؤثر على أنشطة الدولة الاقتصادية وعلاقاتها بالإقتصاديات الأخرى.
2- الدعامة السياسية: وتتضمن عمليات صنع القرارات المتعلقة بصياغة وتكوين السياسات.
3- الدعامة الإدارية: وتتضمن النظام الخاص بتنفيذ هذه السياسات.
ومنذ ظهور مصطلح Governance لم تتوقف المحاولات لتحسين وتجويد التعريف حتى يصبح أكثر شمولاً وتحديدًا، وفي هذا الإطار حاول باحث بارز هو R.A.Rohdes تلخيص توجهات واستخدامات هذا التعريف كالتالي:
الأول: أن يدرس العلاقة بين آليات السوق من جانب والتدخل الحكومي من جانب آخر فيما يتعلق بتقديم الخدمات العامة، وعادة ما يعكس هذا الإتجاه الحد من التدخل الحكومي وضغط النفقات العامة، والإتجاه نحو الخصخصة كمؤشرات للتعبير عن دولة الحد الأدنى التي لا تتدخل إلا عند الضرورة فقط.
الثاني: يتحدث عن Governance من خلال التركيز على المنظمات الخاصة ومنظمات إدارة الأعمال، وفي هذا السياق يركز أنصار هذا المحور على مطالب الـمساهمين، وكيفية إرضاء العميل، كما يركزون على كيفية عمل نظام داخل الشركة على النحو الذي يحقق مصالح المنتفعين بها.
الثالث: يعبر عن اتجاه الإدارة الحكومية الجديدة القائم على إدخال أساليب إدارة الأعمال في المنظمات العامة، وإدخال قيم جديدة مثل المنافسة، وقياس الأداء، والتمكين، ومعاملة متلقي الخدمة على أنه مستهلك أو عميل، وغيرها من المفاهيم، إلا أنه يغفل الدور الاجتماعي للدولة بصفة عامة، والحاجة إلى وجود فاعل يستطيع أن يتوجه بخدماته للمواطنين بصرف النظر عن كون هذه الخدمة تحقق ربحاً من عدمه.
الرابع: أنَّ الربط بين الجوانب السياسية للمفهوم المحددة في منظومة القيم الديمقراطية من جانب ومؤشرات شرعية النظام والمساءلة من جانب آخر هو إضافة حقيقية للتحليل الاجتماعي، ويمثل هذا المحور استخدام البنك الدولي للمفهوم في 1989، وتبنيه لسياسات مرتبطة به مثل الإصلاح الإداري، وتقليص حجم المؤسسات الحكومية، وتشجيع الإتجاه نحو القطاع الخاص، وتشجيع اللامركزية الإدارية، وتعظيم دور المنظمات غير الحكومية.
الخامس: يعبِّر عن أنَّ السياسات العامة ما هي إلا محصلة للتفاعلات الرسمية وغير الرسمية بين عدد من الفاعلين؛ مثل الدولة والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص على المستويين المحلي والمركزي، على أساس أن الحكومة لم تعد هي الفاعل الوحيد المؤثر في صنع السياسات العامة.
السادس: الاهتمام بدراسة إدارة مجموعة الشبكات المنظمة في عدد من الأجهزة والمنظمات، ويرى أنصار هذا الإتجاه أنَّ هذا التعريف أوسع وأشمل من مجرد الحديث عن الحكومة، ويشمل الحديث عما هو عام، وخاص، وتطوعي.
الإدارة والحكم الصالح
ووفق تعريف البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة يكون مفهوم الحكم الصالح هو ذاته مفهوم إدارة المجتمع والدولة والذي ينص على: ممارسة السلطة السياسية والإقتصادية والإدارية لإدارة شؤون بلد ما على جميع المستويات، وعلى صعيد الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص. وتتمثل أبعاد الحكم الصالح في حكم القانون والشفافية والإستجابة والمشاركة والإنصاف والفعالية والكفاءة والمساءلة والتنمية والرؤية الاستراتيجية.
إنَّ في تعريف البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة تطابقاً مع رؤيتنا للدولة الصالحة والحكم الصالحة، مع ملاحظة جوهرية وهي: أننا نمايز من حيث الإصطلاح بين الدولة والحكومة ونرى أنَّ الخلط بينهما يُشكّل إرباكاً منهجياً ونتائجياً يعود بالضرر الكبير على طبيعة ودور الدولة والحكم والسلطة والإدارة.
إنَّ الدولة ظاهرة إجتماعية أصيلة تُنتجها الفاعلية الإنسانية التأريخية، وهي أكبر من أن تُختزل بهيئة سلطوية أو مؤسسة حاكمة، بل هي تعبير عن الناظم والضابط الكُلي المُعبِّر عن الجماعة والنظام والوطن والحكومة، فالدولة هي الناتج الكُلي الحاصل من: تماهي المجتمع المكوّن للجماعة السياسية + القيم والقوانين المكوّنة للنظام + الإقليم المكوّن للوطن + المؤسَّسة الإدارية المكوّنة للحكومة. وكلما تمازجت وتناغمت واتحدت هذه العناصر بعضها ببعض في الوعي والتشريع والتطبيق.. كلما أنتجت جوهراً متطوّراً قادراً على التجذّر والفاعلية والحضور والتّطور يُسمّى الدولة، والإدارة هنا تعني إنتاج هذا الجوهر وضبطه من خلال ممارسة السلطة السياسية والإقتصادية والتنظيمية لأوجه الحياة العامة لمكونات الدولة.
إنَّ الدولة هي ذلك الجوهر المُنتج للأنا الكلية من خلال حركة التفاعلات العميقة لمكوناتها الأصيلة من مجتمع ونظام وإقليم وسلطة، والإدارة هنا بمثابة جهاز الدولة العصبي المتحسس والناظِم والضابط لأركانها الأربعة، ولا يمكننا تصور قيام دولة دون إدارة متكاملة لمكوناتها الوجودية، ومثل هذه الإدارة هي في حقيقتها مُنتج لكيان الدولة وبدونه ينحل هذا الكيان، فوجود الدولة مرتبط بفاعلية جوهرها وشدة تعبيره عن مكوناتها، وهذا ما تضمنه الإدارة الناجحة والموضوعية سواء في أُطرها القيمية الكُلّية أو في تشريعاتها المنظِّمة لسير وشؤون الدولة.
ولعل أمثل شكل إداري كُلّي للدولة الناجحة يقوم على:
1: حاكمية القانون وسيادة المؤسَّسات الدستورية، فالدولة الناجحة والصالحة هي دولة القانون الضامنة للعدالة والمساواة والتكافؤ بين كافة رعاياها دونما أدنى تمييز، وهي دولة المؤسسات الشرعية المتجذّرة والمنضبطة دستورياً والراعية للكل الوطني.
2: السلطة المختزَلة والحكم الكفوء، فمن غير الناجح والعملي تضخم دور الحكومة عن طريق تدخلها غير المبرر والشامل في الحياة المدنية، فهي لا تعدو أن تكون سوى هيئة إدارة فعّالة لإدارة العملية السياسية والإقتصادية.. ولا تملك الهيمنة والتّسلّط على الإنسان والمجتمع بما يُصادر خصوصيتهما وفاعليتهما وإبداعهما.
3: فاعلية المجتمع المدني الأصيل والمتطوّر من خلال قوة وحركية مؤسساته الإقتصادية والسياسية والثقافية والمجتمعية، إنَّ خلق حركية إجتماعية خلاّقة تتم من خلال منح الحريات الهادفة وتوسيع صلاحيات الفرد والمجتمع لممارسة سلطاتهما وتفجير طاقاتهما نحو الإبداع والتنمية والتقدم .
إنَّ الشكل الأمثل لإدارة كيان الدولة يقوم على قوة وسيادة قوانينها ومؤسساتها، وقوة مجتمعها وفاعليته وحركيته، وبإضعاف قبضة الحكومة عليه لضمان خلق حركية الإبداع والتطوّر المجتمعي الذاتي.
الإدارة والمواطنة
إنَّ شكل الإدارة العامة للدولة يستند قيمة كُبرى ألا وهي المواطنة كأساس لشدّ وترابط مكوناتها الحقيقية من مجتمع ونظام وإقليم وسلطة.
إنَّ المواطنة قيمة جوهرية تمثّل عماد قيام الدولة الحديثة، وهي من أشد أنماط عضوية الفرد إكتمالاً في الدولة، فالمواطنة ليست صورة باهتة لإنتساب صورّي بين أفراد المجتمع ودولتهم بقدر ما هي كينونة لجنس العلاقة الرابطة بين الفرد ومن ثَمَّ المجتمع بدولتهم التي يستظلونها وينتمون إليها، وهي على ذلك من مستلزمات الإنتماء للمجموعة السياسية أو للدولة كوحدة سياسية متكاملة والتي تفرض حقوقاً وتسلتزم واجبات كمنظومة متكاملة لا تعرف الفصل والتفكيك في أنظمتها واستحقاقاتها النظرية والعملية.
إنَّ الحكم الصالح هو ذاك المستند إلى شكل إداري جامع يقوم على قيمة ومبدأ المواطنة في عملية التنظيم لمكونات الدولة. وعليه فالدولة الصالحة للبقاء هي تلك القائمة على أساس المواطنة الفعّالة والضامنة لتحقيق منظومة الحقوق والواجبات الإنسانية والوطنية لكافة رعاياها دون أي تمييز قومي أو عرقي أو طائفي أو سياسي.
إنَّ المواطنة حالة عضوية كاملة تنشأ من العلاقة بين الفرد والدولة كما يُحدّدها القانون، وتنظيم الشكل الإداري للحكم على أساسها يضمن نشوء دولة متكاملة وفعّالة ووطن متماسك ومتجذِّر، وفي هذه الحالة يغدو الوطن تعبيراً مُركّزاً للإنتماء القانوني والسياسي والثقافي والشعوري والعاطفي، ويغدو جزءاً من التكوين والصيرورة والهوية والخصوصية والمصلحة التي تربط الفرد والمجتمع بوطنهم و من ثَمَّ بدولتهم،.. وتغدو الوطنية بالتبع وعياً وشعوراً وانتماءً وحباً مُركّزاً لدى الفرد أو الشعب أو الأُمّة تجاه وطنهم المُحتضِن لهم والعائد إليهم، وعلى هذا الأساس تنشأ الحقوق والواجبات في بُعدها الإنساني أو القانوني في ثنائية العلاقة بين المواطن ووطنه، ومنها حقوقه وواجباته الدستورية والقانونية والإنسانية كحقوق التجنّس والمساواة والكرامة والأمن والحماية والتعبير ..الخ ، وكواجبات الدفاع والإلتزام والمسؤولية والولاء. وما لم ينتظم شكل العلاقة ضمن حواضن الإعتراف والدفاع والولاء المتبادل بين المواطنين ووطنهم ضمن منظومة متوازنة وعادلة بين الحقوق والواجبات، فسوف لن تستقيم أو تُثمر أو تُنتج الوطنية شيئاً،.. وبالتالي سيعود الضرر على المواطن كإنسان وعلى الوطن كوحدة إقليمية وسياسية، وبالتالي على الدولة كوجود كلي مُعبِّر عن الإنسان والأرض والنظام والمصلحة.
إدارة الدولة كهيئة
إنَّ الرؤية المعرفية والسياسية لإدارة الدولة كهيئة وذات كلّية تقوم بنظرنا على التزاوج والتناغم بين منظومات الأصالة والحداثة والتنمية، الأصالة بما تعنيه وتختزنه من منظومات دينية وعقدية وفكرية وقيمية وحضارية في جوانبها الثابتة والمتحركة والتي تمثل الأبعاد المضمونية لشعبنا على تنوعه الديني والطائفي والعِرقي،.. والحداثة بما تعنيه وتُؤشّر عليه من منظومات التقنين والتطبيق والتفعيل لمفردات الدولة والسلطة والإدارة والعمل والتنظيم والإبداع والتطور والتحديث المجتمعي،.. والتنمية بما تعنيه وتتطلبه من نهوض نوعي شامل بالإنسان والمجتمع والدولة على مستوى التخطيط والمُباشرة النوعية الشاملة.
إنَّ أدنى إدارة مُبتسرة للدولة كهيئة سيقود إلى التدهور لا محالة، فلا يمكن إنتاج دولة مستقرة وهي تتنكر لأصالة مكوناتها، ولا يمكن إنتاج دولة حديثة وهي منقطعة عن حاضرها، ولا يمكن إنتاج دولة متطوّرة لا تستهدف التنمية الإنسانية المستديمة، من هنا كانت الإدارة مُعبِّرة عن قدرة الدولة لقيادة المجتمع بنجاح وتطوّر سواء في الحفاظ والتنمية، وتم الربط بين جودة وفعالية وأسلوب الإدارة بدرجة نمو ورخاء وتقدم المجتمع.
ولعل من أهم لوازم الإدارة الناجحة للدولة –كهيئة- اعتمادها الديمقراطية لتنظيم آليات انبثاق السلطة على أساس متين من الإنتخابات الحرّة والمباشرة والنزيهة، من هنا تم الحكم على نجاح الإدارة باعتماد الديمقراطية من حيث القدرة على إدارة العمليات الإجتماعية بنجاح من خلال تدعيم وتوسيع المشاركة الشعبية في الحكم. وعلى هذا الأساس نرفض المقاربة الإدارية الفوقية القائلة بإمكانية بناء الدولة من فوق، أي بتولي نُخبة سياسية معينة وغير منتخبة ديمقراطياً قيادة عملية بناء الدولة وإدارتها،.. إنَّ عدم إشراك الأُمّة بعملية بناء الدولة يؤدي لا محالة إلى عزوفها عن الدولة بما يؤصّل الفجوة القائمة بين الدولة والأُمّة في عمليات البناء والتشييد الحقيقي لهيكل الدولة وهيئتها وفاعليتها وحيويتها .
وعلى العكس من ذلك نعتمد المقاربة الإدارية التحتية التي تشترط في عملية بناء الدولة وإدارة هيئتها أن تنطلق من القواعد الشعبية التحتية العريضة للدولة، إيماناً منّا بنظرية ولاية الأمّة على نفسها وانسجاماً مع الأُسس السياسية والعلمية الحديثة التي تلتقي في روحها مع نظرتنا العقدية للمسألة السياسية.
ونوجز هنا جملة آرائنا في المقاربة التحتية نظرياً وعملياً بالأسباب التالية:
أولاً/ السبب العقدي: وخلاصته الإيمان بمبدأ الإستخلاف الذي يقوم عليه مبدأ ولاية الأمة على نفسها، فالإنسانية المتمتعة بقوى الإرادة والإختيار والمتحملة للمسؤولية والجزاء هي المعنية بالخلافة والتي هي عبارة عن إنابة الجماعة البشرية في قيادة وإعمار الحياة والكون { وإذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكَةِ إني جاعِلٌ في الأرضِ خَليفة } 30 البقرة، وعلى هذا الأساس تقوم نظرية حكم الناس لأنفسهم وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفة عن الله تعالى، ومن هنا كانت الخلافة أساساً للحكم، وكان الحكم بين الناس متفرعاً على جعل الخلافة، فشرعية الحكم (بعد زمن العصمة) تتحقق استناداً إلى الإستخلاف الذي يمنح صلاحية إدارة الجماعة البشرية لنفسها.
إنَّ ثبوت مبدأ نفي سيطرة الإنسان على أخيه الإنسان إسلامياً يقضي بالرجوع إلى رضا الناس وقبولهم لتحقيق الشرعية السياسية للحكم، وما البيعة أو العقد أو الإنتخاب سوى مصاديق كاشفة ومؤكِدة لرضا الناس واختيارهم بما يُحقق شرعية التسلّط من قِبل دولة أو حكومة أو كادر مُعي،.. والصيغة الديمقراطية هي الأنسب حالياً للكشف عن رضا الناس وقبولهم العملي بالسلطة وكادره، كونها تقوم على إرادتهم واختيارهم، وإلاّ كيف يمكننا الإطمئنان إلى إحراز رضا الناس بالسلطة؟ سيما وأنَّ الإسلام يعتبر السلطة مسؤولية وليست امتيازاً وأنها من حق الأُمة وأنَّ الأصل فيها نفي الإستبداد من خلال نفي سيطرة الإنسان على أخيه الإنسان،.. من هنا فإنه لا يعترف بشرعية أية سلطة تقوم على التغلّب أو الوراثة أو الإكراه،.. وهذا ما يمهد للسبب السياسي.
ثانياً/ السبب السياسي: وخلاصته، أنَّ الديمقراطية تفرض الرجوع إلى النّاس في مزاولة الحكم والسلطة، ولا تُجيز الفرض من فوق بل تفترض أنَّ الحُكم ينبع من تحت،.. وفي ذلك تلتقي الآليات الديمقراطية مع جوهر نظرتنا العقدية إلى المسألة السياسية وفي قلبها مسألة الحُكم المشتقة من مفهوم الخلافة الرّبانية.
ثالثاً/ السبب العملي: أنَّ نجاح أية عملية بناء وتنمية يشترط انخراط الجماهير فيها كصانعة أساسية ومُشارِكة جوهرية في خلق وتفعيل عمليات البناء والتشييد والتطوّر، ولا يمكن تحقيق نهوض حضاري نوعي دون إدماج الأُمّة وإشراكها في عمليات البناء بما يضمن مساهمتها في التخطيط والتنفيذ والمراقبة والمواصلة.
الإدارة وسيادة القانون
يجب أن يُؤسَّس نظام إدارة الدولة والحكم على سيادة القانون القائم على العدالة والمساواة والإستقلالية والحياد. إنَّ السلطة العُليا يجب أن تكون للقانون، وسيادته تعني هيمنته ونفوذه وإلزاميته للدولة والحكومة والمجتمع على حد سواء. إنَّ على القانون أن يُشرّع ويحمي حقوق الإنسان الفردية والجماعية الشخصية والمؤسَّسية، فالقانون العادل هو الحامي لأفراد الشعب وللمجتمعات المحلية الدّينية والعِرقية وللجماعات السياسية والإقتصادية والثقافية أمام أي تجاوز تمارسه السلطات أو مراكز القوة والنفوذ داخل السلطة أو المجتمع.
لتأسيس نظام إدارة سليم للدولة يجب خلق المؤسسات الدستورية الثابتة والحاكمة استناداً إلى الدستور الدائم والذي تتحدد من خلاله المبادئ القانونية العليا ونوع ورقعة السلطات والخطوط العامة لمنظومات الحقوق والواجبات الإنسانية والوطنية، ويجب أيضاً تحديد الأُطر المؤسَّسية المُنتجة للقوانين والتشريعات، واجراءات وسُبل تغيير القوانين والتشريعات في حالات التعديل أو الإلغاء أو التجميد. ويجب أن تكون القوانين مُعلنة ومعروفة للجميع سلفاً، وأن تُحدَّد الوسائل الكفيلة بتنفيذها، ولكي تكون عادلة وجديرة بنيل ثقة الأمّة يجب أن تكون مُلزمة ومُطبَّقة على الجميع دونما أدنى تمييز.
إنَّ من أساسيات سيادة القانون اعتماد مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فلا يمكن إحراز العدالة والنزاهة مع تداخل صلاحيات أجهزة الدولة تشريعاً وتنفيذاً، وهنا فالسلطات القضائية المستقلة والفعّالة هي المعنية بالدّرجة الأساس لتثبيت وحراسة وتطبيق القانون وضمان سيادته الكاملة بما في ذلك خضوع المسؤولين والمؤسسات الحكومية للمساءلة القانونية.
إنَّ سيادة القانون يضمن للدولة التوازن والأداء المنضبط، ويعزز المساءلة والمشاركة والشفافية بما يُسهّل اندماج الأمّة في الدولة ويضمن الولاء لها.
الإدارة واللامركزية
في بلد كبلدنا يُعتبر نظام اللامركزية الإدارية ضرورة سياسية واجتماعية واقتصادية نستطيع من خلالها حفظ خصوصيات المجتمعات المحلية على تنوعها العِرقي والطائفي والثقافي مما يُساعد في زيادة التلاحم الوطني ويُسهّل عمليات التطور من خلال توافره على دعائم الأمن والسلام والإنسجام والتعايش.
إنَّ اللامركزية الإدارية عملية تنتقل بموجبها السلطات والعمليات التنفيذية إلى هيئات حكومية على المستوى المحلي، وهي تقوم على فكرّتي التنازل والتفويض، فالتنازل هو نقل السلطة إلى حكومات محلية مستقلة أو شبه مستقلة ذاتياً، والتفويض هو نقل المسؤوليات والخدمات والإدارة إلى الحكومات والمؤسسات المحلية، ويتفرّع عن ذلك أيضاً التوكيل أي توكيل تنفيذ البرامج الوطنية إلى الفروع الأدنى من الحكومة، والتجريد بمعنى نقل الخدمات والمؤسسات الحكومية إلى الشركات والمؤسسات الخاصة.
واللامركزية ضرورة تنظيمية بذاتها كونها الأقدر على بناء القدرات الإدارية والمؤسَّسية المحلية على مستوى البلاد من خلال سماحها وتعزيزها المشاركة والمساءلة والشفافية، وهي الأقدر على النهوض باستحقاقات التنمية والتطوّر إذ لم تعُد الإدارة المركزية كبُنية وظيفية بقادرة على إدارة دفة العمليات التنموية والتطوّرية في مناحيها كافة، إنَّ باستطاعة الحكومات المحلية أن تكون أكثر تجاوباً وتكيفاً مع الأوضاع المحلية كاحتياجات وطموحات الأمر الذي يؤدي إلى نمو والتقدم السريع.
كما أنَّ ثقل الأزمات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية القائمة والمُستَجدّة تُُحتم إجراء تعديلات على نمط إدارة الحكومة للسياسات العامة وفي طليعتها إسقاط فكرة الإدارة المركزية الوحيدة لحساب اللامركزية الإدارية. ولكن يجب لحاظ التداعيات السلبية للتطبيق المتجزء أو الإنتقائي أو الكيدي أو العشوائي لنظام اللامركزية الإدارية فقد يؤدي الأمر إلى تفكك الدولة أو إلى تدني مجمل الإدارة الحكومية العامة، كما قد يؤدي فقدان الخبرة والقدرة لدى السلطات المحلية إلى إفشال الإدارة اللامركزية. إنَّ للتخطيط والتطوير والتصميم والمتابعة الدائمة على المستوى المركزي والمحلي أهميته الحاسمة لتقرير نجاح اللامركزية الإدارية والتي يجب أيضاً أن تلحظ التدرج للإنتقال بالبلاد من المركزية إلى اللامركزية، كما لابد من التأكيد على ضرورة المساهمة الحقيقية والفاعلة لمؤسسات المجتمع المدني والقطاعات الإقتصادية الخاصة لإنجاز التحولات الإدارية نحو اللامركزية.
تتبنى العديد من الدول نظام اللامركزية الإدارية على صعيد الإدارة الحكومية العامة وذلك لتحقيق مستويات أمثل من المشاركة الشعبية في الشأن العام للبلاد، إنَّ احتكار السلطة في المركز لا يمكنه أن يُنتج تقدماً سريعاً وكبيراً، ومنح صلاحيات واسعة للأقاليم والمُدن والبلديات والمجتمعات المحلية سيُمكن الناس من الإشتراك المباشر في إدارة عمليات الحُكم والإندماج في الجهد الوطني السياسي والإقتصاد والتنموي،.. أضف إلى ذلك أنَّ اعتماد نظام اللامركزية سيحفظ خصوصيات الأقاليم العِرقية والثقافية والمصلحية وهو ما يُساعد على إطفاء بؤر التوتر الناجم عن سياسات الفرض المركزي اللاغي للخصوصيات الذاتية للمجتمعات المحلية وهو أمر يُعزز السلام والتعايش الوطني ويُسهّل عمليات الإندماج والمشاركة.
الإدارة والمشاركة
إنَّ عنصر المشاركة الحقيقية والفاعلة من لوازم الإدارة الصالحة والناجحة للدولة والحكم، وهي من مستلزمات المقاربة الإدارية التحتية التي تعتمدها عملية البناء الإنساني الديمقراطي الذي يؤمن بالإنسان كقيمة ودور ورسالة، ويؤمن بالأمّة كوجود حقيقي أصيل لا يمكن القفز على إرادتها وسيادتها. وأيضاً فالمشاركة من أهم استحقاقات المواطنة وفروضها العملية، وبانتفائها لا يكون للمواطنة من معنى، ولا تعدو أن تكون السلطة عندها سوى قوة استعباد لرعايا الدولة.
إنَّ المشاركة تعني الحضور والدور والمساهمة الحرّة والحقيقية في تقرير شؤوننا في ظل دولة القانون والمؤسسات، وهنا فالمشاركة تعني تفعيل الوجود الإنساني والوطني وتأصيله بما ينافي أية مصادرة وحجر على كينونتنا الإنسانية الرافضة للإستعباد، وعلى دورنا الوطني الرافض للتدّجين.
ولخلق وتفعيل المشاركة على تنوعها السياسي والإقتصادي والإجتماعي لابد وأن تتوافر دعائم المساواة والتكافؤ والحرية والفرص المتساوية لتمكين النّاس من صنع قراراتهم من خلال مشاركتهم الفعلية في اتخاذ القرار على أرضية المجتمع الديمقراطي المنفتح. إنَّ المشاركة تضمن تقدم الدولة المجتمع معاً باعتبارها وسيلة وغاية قي ذات الوقت، فهي وسيلة لتنمية المجتمع وقدراته من خلال تفعيل ملكاته الذاتية في صُنع الواقع السياسي والإقتصادي والإجتماعي، وغاية أيضاً إذ تُحقق تماسك الدولة والولاء لها والمساهمة في نهضتها الكلية من خلال عنصر المشاركة الشعبية في مشاريعها وبرامجها وسياساتها.
إنَّ إدارة الحكم الناجحة مرتبط بنوع ودرجة المشاركة الممنوحة للأفراد والجماعات والفئات لتحقيق ذواتهم وتجسيد إرادتهم وإبداعاتهم في الحياة على تنوع حقولها، لذا نجد أنَّ المجتمعات القائمة على ثقافة المشاركة الحقيقية من أكثر المجتمعات تقدماً، على العكس من المجتمعات القائمة على ثقافة الإستبداد الفردي أو النُخبوي الرافضة للمشاركة المتبادلة في صنع القرار وإنجاز النهوض الإنساني والوطني،.. وهنا فالتحدي الأكبر الذي يواجه المجتمعات هو تحدي المشاركة في صنع واقعها ومستقبلها، ويقدّر تقرير التنمية البشرية لعام 1993 أنَّ أكثر من 90% من سكان العالم يعجزون عن فرض أي تأثير حقيقي على الأداء الإقتصادي والسياسي والإجتماعي للمجتمعات التي يعيشون فيها، ونجد دائماً في معظم المجتمعات عدداً من الجماعات المهمَّشة من حيث فرصها في المشاركة كالفقراء والنساء والأطفال والأقليات الدينية والإثنية وسكان الريف والمعوقين.
إنَّ إحدى جوانب الحل للمأزق التنموي والحضاري للمجتمعات المتأخرة يكمن في خلق وتدعيم المشاركة لكافة أفراد المجتمع أو للفئات المهمَّشة منه، وهنا فإسلوب إدارة الدولة والحكم يجب أن يعتمد الإجراءات الممهدة لخلق فرص المشاركة الفردية والجماعية من منح للحريات وإجراء للمساواة وتطبيق متكافيء للفرص، وهو ما سيخلق حركية مجتمعية مدنية فعالة تعزز الثقة وتُسهّل الإندماج في حركة التنمية والتقدم سواء على الصعيد الشخصي أو المؤسَّسي على تنوع المؤسسات السياسية والإقتصادية والمهنية. إنَّ بناء القدرات الذاتية الفردية والجماعية المرحلية والإستراتيجية رهن استمرارية المشاركة وصميميتها في البرامج والمشاريع الخاصة والعامة.
الإدارة والشفافية
لابد لمؤسسات الدولة وإداراتها من اعتماد مبدأ الشفافية الذي يعني توفير المعلومات بشكل مكشوف لدراستها وتوظيف نتائجها. ويجب أن تكون المعلومات دقيقة وصحيحة وشاملة لا تستثني أي قطاع من قطاعات الدولة، وهنا لابد من تحديد الوسائل القانونية لتوفير المعلومات وأساليب توظيفها بين مصدر المعلومات والجهات المستفيدة منها وفي متناول الجمهور أيضاً.
إنَّ التدفق الحر والمتواصل للمعلومات سيخلق الشفافية المطلوبة والتي تُتيح الوقوف على الحقائق لرصد الإيجابيات والسلبيات على كافة مستويات وقطاعات وفاعليات الدولة ومؤسساتها وهو أمر لازم لتطوّر الدولة وتقدمها من خلال ما تمنحه الشفافية من مساعدة على الفهم والمراقبة والمعالجة لسير المؤسسات ونتائج عملها أولاً بأول. إنَّ الشفافية من أفضل الطُرق لنيل ثقة الجمهور كونها تضعهم أمام الحقائق دونما غموض الذي يعتبر مصدر الشك الأساس، والشفافية أيضاً عنصر رئيس من عناصر المساءلة الذي يضمن استقامة الأداء الحكومي والمؤسسي ويقيه من الأخطاء وتراكمها ومن الفساد على تنوع مصاديقه.
إنَّ النقاش والحوار المتعلق بالتخطيط والإدارة والمباشرة بتنفيذ البرامج والمشاريع الوطنية يستلزم أول ما يستلزم توافر الشفافية وخاصة فيما يتعلق بصناعة القرارات السياسية والإقتصادية للأمّة، وهنا على المؤسسات الحكومية المركزية والمحلية تزويد الرأي العام والجهات ذات العلاقة والمصلحة بكافة البيانات المعلوماتية المطلوبة، باعتبار أنَّ الحكومة هي المصدر الرئيس للمعلومات ومستخدم أساسي لها.
الإدارة والمساءلة
المساءلة من معايير الإدارة الحكومية السليمة والتي تتطلب سيادة القانون والرضوخ له وتوافر الحريات والشفافية الدائمة كي تكون فاعلة وحقيقية، وهدفها الرئيس الإلتزام بالقوانين وضمان الإستقامة والتّحلي بالمسؤولية ومكافحة الفساد والتلاعب والعجز وسوء استغلال المنصب، وهي عماد أجهزة المراقبة لضمان النزاهة والمحاسبة، ويجب أن تكون شاملة وملزمة لكافة المسؤولين والمؤسسات تطبيقاً للعدالة وضماناً للتطوّر، إنَّ غياب المساءلة يعني شيوع الفوضى والتحلل من المسؤوليات القانونية وهو أقصر طريق للفساد الشامل.
يُعرّف البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة المساءلة على أنها: الطلب من المسؤولين تقديم التوضيحات اللازمة لأصحاب المصلحة حول كيفية استخدام صلاحياتهم وتصريف واجباتهم، والأخذ بالإنتقادات التي توجّه لهم وتلبية المتطلبات المطلوبة منهم وقبول المسؤولية عن الفشل وعدم الكفاءة أو عن الخداع والغش.
إنَّ توافر المساءلة وجعلها ثابت إداري يتطلب شبكة من الأنظمة القانونية الواضحة والصارمة التي تُلزم المسؤولين بها، وتتطلب تحديداً دقيقاً لآليات تطبيقها العملي فقد تكون المساءلة داخلية ضمن إطار المؤسسة الواحدة أو خارجية بين المؤسسات المختلفة أو بين الجمهور والمسؤول أو المؤسسة المعنية وفقاً للضوابط القانونية المرسومة.
إنَّ اتقاذ الوعي الإجتماعي الشعبي والنُخبوي وفاعلية مؤسسات المجتمع المدني وحرية والتزام وسائل الإعلام عناصر رئيسة إضافية لتدعيم المساءلة وجعلها ثابت قانوني وقيمي وثقافي في حركة الدولة والحكومة.
الإدارة والمجتمع المدني
إنَّ شكل نظام إدارة الدولة الذي لا يقوم على خلق وتمكين وتفعيل المجتمع المدني لا يمكنه بحال خلق الدولة الديمقراطية القائمة على المشاركة والشفافية والمساءلة، إنَّ الدولة القوية رهن المجتمع المدني القوي.
إنَّ المجتمع المدني هو ذلك المجتمع المتمتع بحرية التنظيم الذاتي وفق أنساق من التشكيلات المؤسساتية الطوعية المتنوعة ذات الصفة والهدف السياسي والإجتماعي والإقتصادي والثقافي والفكري والقيمي.. بعيداً عن هيمنة وتدخل الحكومة مع الإلتزام الكامل بالأنظمة الدستورية والقانونية في البلاد. ويحتل المجتمع المدني موقعا وسطاً بين الفرد والدولة، فهو يضم أفراداً وجماعات يتفاعلون اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، وهو صيغة من صيغ التنظيم المجتمعي الفاعل الذي تتطلبه الدولة الحديثة.
إنَّ الفارق الجوهري بين المجتمع المدني والمجتمع التقليدي يتلخص بالهدفية والحركية والنتاج الحيوي، وهذه الميزات النوعية هي التي تؤسس لحالات المسؤولية تجاه الإنسان والمجتمع والدولة، إذ تخلق جواً من الوعي الناهض لإدراك المهام والأزمات واستنتاج الحلول من خلال المشاريع المتنوعة التي تتصدى لها تنظيمات المجتمع المدني. وهو المجتمع الممتليء أصالةً وسيادةً ووعياً لذاته وأدواره ومسؤولياته، وهو بعد المُنتج للدولة والسلطة والمشرف والمراقب لها من خلال قواه ومؤسساته وتنظيماته الفاعلة والمتخصصة بألوان العمل المدني الشامل.
إنَّ المجتمع المدني هو المجتمع الرافض معرفياً وتطبيقياً لشرعية القوة واحتكار السلطة والقرار في مختلف شؤون الحياة العامة، والحكومة فيه هيئة وظيفية تقوم على خدمته ولا تملك التفرعن عليه من خلال خلال توظيفها السَّيء للسلطة، وهنا فعلى نظام الدولة الإداري تقاسم سلطة القرارات وتنفيذها بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني، إنَّ نظام الإدارة الذي يركّز السلطات بيد الأجهزة الحكومية إنما يؤسس للإستبداد، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة وفق شروط العمل البشري، وهو عين منطق وفلسفة الدولة الشمولية التي تختزل وتبتلع الدولة والمجتمع، وهو ما يجب رفضه بكل قوة ونفيه خارج دائرة الحياة.
إنَّ المجتمع المدني وفق هذه الرؤية هو مجتمع الإختيار والقانون لا مجتمع القوة والإستبداد، إذ لا يتأسس على الغريزة والخوف بل يقوم على الحرية المُنتجة للإختيار والقانون المُنتج للنظام والمسؤولية المنتجة للإبداع، لذا فالحركية والنمو والتقدم نتائج موضوعية لهكذا مجتمع.
أنَّ العلاقة بين الخيار الحر للأُمّة وقيام المجتمع المدني هي علاقة تكوين وضرورة تتحد في جوهرها من حيث المغذّيات والنتائج، من هنا يجب أن يضمن شكل إدارة الدولة إنتاج الأنظمة والمناهج المغذّية والمُنتجة لتأسيس مجتمع مدني حقيقي وفي طليعتها التأسيس القانوني الإداري للديمقراطية لضمان قيام تجارب مجتمعية مدنية فاعلة.
إنَّ الديمقراطية هي قضية ومسألة مجتمعية قبل أي اعتبار آخر، لأنها تعبير عن إنتاج الأُمّة لذاتها سياسياً ومجتمعياً، وأي استلاب لهذه الذّات المجتمعية عن طريق السطو والإحتكار والتفرد بالقرار والسلطة وفق نظام الإدارة الشمولي سيقضي على هذه الذّات ويُحيلها كتلة هامدة لا حياة وفاعلية حقيقية فيها، لذا فلا وجود لأية حركية اجتماعية حقيقية دون مشاركة شعبية حقيقية فاعلة ودائمة تمنح المجتمع حرية الحركة والتشكيل والإنتظام.. أي لا وجود لمجتمع مدني بالتبع.
وفي الحقيقة لا تجد الديمقراطية نفسها إلاّ في مجتمعٍ مدني فاعل وحيوي، فالأحزاب والمنظمات والنقابات والجمعيات والأندية.. هي عامل وجود يهب الحياة لديمقراطية حقيقية قادرة على التجذّر.
وفي الوقت الذي تُعتبر فيه التعددية إحدى أهم سمات الديمقراطية سواء كان حزبياً أم مؤسساتياً، فإنها تُشكّل روح المجتمع المدني، فمدنية المجتمع لا تتحقق إلاّ بتعددية المؤسسات المُعبّرة عنه في الواقع الخارجي، وهذه المؤسسات هي التعبير الكُلي عن تعدد المكونات السياسية والإقتصادية والثقافية التي يتشكّل بها، وهي الأساس الموضوعي للتعددية الديمقراطية ذاتها، فالتعددية المجتمعية هي الأساس في التعددية السياسية، فعلى نظام إدارة الدولة وعي ذلك تشريعاً وتطبيقاً.
إنَّ قيام مجتمع مدني حقيقي سيوفر للدولة ضوابط على سلطة الحكومة ذاتها وهو ما يضمن استقامتها من خلال تحسين إدارة الحكم سواء في صياغة السياسات العامة أو في تعزيز المشاركة والمساءلة والشفافية أو في حماية الحقوق الإنسانية وتأكيد الواجبات الوطنية أو في التوفيق بين المصالح المتنوعة والمتضاربة أو في تحسين وإيصال الخدمات الاجتماعية أو تفعيل وتعجيل أوجه التنمية الشاملة.
إنَّ الحكومة هي إحدى مكونات الدولة، وعليه فهي ليست القوة الوحيدة الصانعة لوجود وفاعلية الدولة، والمجتمع المدني في ظل الدولة الحديثة هو القوة الرئيسة والحاسمة في التنظيم السياسي والإجتماعي والإقتصادي المُنتج للدولة، والحكم السليم ليس أمراً تستطيع الحكومة ببساطة أن تؤديه بمفردها، فالإنجازات تعتمد إلى حد بعيد على تعاون ومشاركة قوى اقتصادية واجتماعية وسياسية حقيقية في المجتمع، وهذا ما يجود به المجتمع المدني.
الإدارة والتنمية
إنَّ مؤشر سلامة النظام الإداري للدولة يكمن في إبداع تنمية إنسانية مستديمة تدفع بالإنسان دوماً نحو المشاركة والإنتاج والرفاه.
تُعتبر التنمية من المباديء المتطورة تبعاً للتطور الإنساني المفهومي والتطبيقي، وقد تم استخدم هذا التعبير بشكل أساسي منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لم يُستعمل منذ ظهوره في عصر "آدم سميث"، فالمصطلحات التي استُخدمت بدلاً عنه كانت: التقدم المادي-التقدم الاقتصادي-التحديث-التصنيع.
في علم الإقتصاد أُستخدم مصطلح التنمية للدلالة على عملية إحداث سلسلة من التغيرات الجذرية في المجتمع بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المتواصل بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية وطراز الحياة لكافة أفراده، أي خلق القدرة الذاتية للإستجابة للحاجات الأساسية والمستجدة لأعضائه بما يضمن إشباع تلك الحاجات، وآليات ذلك تتمثل بالترشيد المستمر والمتواصل لإستغلال وتوظيف الموارد الإقتصادية المتاحة بشكل سليم إضافة إلى حسن توزيع العائد. إلاّ أنه سرعان ما تحرّكت الأسوار الدّلالية لمفهوم التنمية إلى حقول السياسة والإجتماع حيث ظهرت كحقول منفردة تهتم بتطوير أنظمة إدارة الدول سياسياً واجتماعياً إضافة إلى التطوير الإقتصادي، ومع التطوّر الإنساني تطوّر مفهوم التنمية بالتبع ليشمل الحقول المعرفية والتطبيقية، فأصبح هناك التنمية الثقافية والتنمية الاجتماعية والتنمية الإنسانية الشاملة التي يُراد بها تلك العملية التي تشمل جميع أبعاد حياة الإنسان والمجتمع والدولة على تنوع المجالات والتخصصات والحقول، وتتقاطع مع مجمل العلوم الاجتماعية وتطبيقاتها. وهنا يظهر جلياً أنَّ التنمية تتطلب نظاماً إدارياً متقناً سواء لشكل الدولة ونظامها السياسي والإجتماعي أو للآليات الضابطة لسير عمل مؤسَّساتها ومرافقها أو في السياسات المُعتمدة لإشراك الأفراد والجماعات في العمليات التنموية الوطنية.
يتألف مفهوم التنمية البشرية الذي يقدمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من ثلاثة عناصر رئيسة هي:
تنمية الإنسان: أي تعزيز القدرات الإنسانية لكي يتمكن النّاس من المشاركة الكاملة في مختلف نواحي الحياة.
التنمية من أجل الإنسان: بمعنى توفير الفرصة لكل النّاس للحصول أو اكتساب حصة عادلة من المنافع الناتجة عن النمو الإقتصادي.
التنمية بالإنسان: بمعنى توفير الفرصة لجميع أعضاء المجتمع للمشاركة في تنمية مجتمعهم.
إنَّ كافة عناصر التنمية أعلاه تتطلب نظاماً إدارياً حكومياً منفتحاً وديمقراطياً يؤمن ويعمل على توزيع القوة السياسية والإقتصادية والإجتماعية على نطاق واسع وحقيقي في المجتمع، فلا يمكن نيل عطاءات التنمية دون تمكين النّاس من التأثير والمشاركة في الأداء السياسي والإجتماعي والإقتصادي. كما على الإدارات الحكومية تلافي تراكم التخلّف والفساد في أجهزة الدولة ومؤسساتها من خلال خطط وبرامج إصلاحية حازمة وبالذات فيما يتعلق بالسياسات المالية العامة والنظام المصرفي والضريبي، كما أنَّ عليها جهداً إضافياً للنهوض التعليمي والإقتصادي التأهيلي بكافة قطاعات المجتمع وبالذات قطاع الطفولة والشباب باعتبارهم الأساس لأية نهضة تنموية حقيقية يمكن التأسيس عليها في عملية التغيير البُنيوي الجذري نحو التطوّر الشامل، وبنفس القوة والجدّية يجب الإهتمام بالقطاعات المُهمّشة كالنّساء، إنَّ التنمية الحقيقية تتطلب تحسين مكانة المرأة قانونياً وبرامجياً وإشراكها الكامل في التنمية الوطنية الشاملة.
إنَّ إنتاج دولة قوية متطوّرة قرين الإدارة التنموية الدقيقة والحازمة والقادرة على إدارة مجمل عمليات النمو المجتمعي في جوانبه القيمية والسياسية والإقتصادية والدفاعية والتعليمية والثقافية.. وفق ديناميكية حيّة تعتمد التخطيط المتوازن والمُباشَرة الشاملة والإنضباط المُتقن والتجدّد المستمر المُدرك لحركية العصر.
** ** **