الديمقراطية وتبادلية الولاء بين الدولة ورعاياها
حسين درويش العادلي
يُعتبر الولاء من أساسيات التكوين الذاتي للأمم والجماعات، فهو الرابط المُجسِّد للإنتماء إلى الجماعة والمُوجد للُحمة التكتل الذي يُميز جماعةً عن أخرى سواء في الرؤى أم التطبيقات، وإذا ما انتفى الولاء إنتفى الإرتباط والإنتماء،.. إنَّ الولاء علاقة كينونة فردية بالكيان الأكبر على مستوى الأُمّة أو الجماعة، وهو لازم وجودي لا غنى عنه لتشييد أي كيان جماعي على المستوى العقدي والسياسي والثقافي. وبقدر أهمية الولاء في قيام ونشوء الجماعة -وبالذات الجماعة السياسية التي تشكّل الدولة- فإنَّ محور وطبيعة ووجهة الولاء تلعب دوراً حاسماً لجعله أداة بناء أو هدم للجماعة ذاتها أياً كانت.
فيما يتعلق بالدولة فإنَّ تماسكها وتقدمها مرهون بالولاء لها، فلا يمكن تصور قيام وبقاء دولة دون انضواء رعاياها ضمن خيمة الولاء لوجودها وأرضها ومجتمعها، وهنا فإنَّ الولاء الوطني هو الإطار الناظِم للدولة والماسك بوحدتها والمُغذي لديمومتها وتطوّرها من خلال ضمانه لعطاء الأفراد والجماعات والتزامهم ودفاعهم عن دولتهم في خضم معتركات البناء والبقاء، وكافة أنماط الولاءات الخاصة العقدية والعِرقية والثقافية مشروعة ومجازة إذا لم تُؤسِّس لكانتونات الولاء على حساب الولاء للدولة الجامعة للكُل الوطني.
إنَّ الولاءات الخاصة للمواطنين حق طبيعي ليس من حق الدولة إضعافه أو نفيه إذا ما تناغم وعمل تحت مظلة الولاء للوطن والدولة، وهنا فلا إزدواجية في الولاء لأنَّ العلاقة بينهما علاقة بين الخاص والعام، فالدولة جهاز محايد تجاه رعاياها وهي ملتزمة بدرجة واحدة من الولاء تجاه مواطنيها وليس لها الحق بفرض ولاءٍ خاص على رعاياها بما يحملهم على الإلتزام به، من هنا فالولاء للدولة هو ولاء عام، والولاءات الخاصة للمواطنين فيما هو عقائدي أو عِرقي أو سياسي أو ثقافي هو ذاتي وخاص يجب ألاّ يكون على حساب الولاء والإنتماء للوطن والدولة، ومتى ما تم تفضيل أو تقديم الولاء الخاص على الولاء العام للدولة فستحدث القطيعة بين الدولة ورعاياها فيتهدد كيان الدولة ووحدة البلاد وتماسك المجتمع، وهي الدائرة الخطرة التي تذهب بكيان الكُل الوطني، وهو ما يجب تجنبه والتصدي القانوني والثقافي له.
ويجب أن ننوه، أنَّ الولاء نتيجةً وليس سبباً، إذ لا يمكن إنتاج الولاء وتوظيفه في مجالات الحياة المتنوعة إذا لم يكن الولاء حقيقياً وصادقاً ومعطاءً، وهي شروط لن تتوافر إذا ما فشلت الدولة بتمثيل مواطنيها بصدق وأمانة والتزام كامل بحقوقهم وحرياتهم وكراماتهم.. وهو ما تجود به الديمقراطية فيما لو اعتمدتها الدولة كنظام، فتحقيق المشاركة والمساءلة والشفافية والصيانة لحقوق المواطنين والتمثيل الصادق لهم ولتطلعاتهم هي من أبرز مكاسب الديمقراطية التي ستؤمِّن اتحاد المواطنين بدولتهم وتأكيد الولاء الصادق والصميمي لها، وبالمقابل نعي أنَّ من أولى ضحايا الدولة الدكتاتورية المستبدة يتمثل بضعف وانتفاء الولاء الوطني، فلِمَ ولِمَن الولاء في دولة المعتقلات والإستعباد وسحق الكرامة وذهاب الحقوق؟! إنَّ النّاس يذوبون حُباً وينصهرون ولاءاً بدولة ترعاهم وتحترمهم وتصون حقوقهم وتسهر على خدمتهم ورعايتهم، وعندما يُجسّد المواطن هنا ولاؤه للدولة انتماءاً ودفاعاً وتضحيةً فإنما يُدافع في العمق عن كرامته وحريته ومستقبله الذي وفرته له الدولة المنتمي لها، وهذه هي نتائج تبادلية الإعتراف والراعية والولاء المتقابل بين الدولة ورعاياها.
وفيما يتعلق بواقعنا العراقي، فإنَّ مسألة الولاء تحتل اليوم مركزاً متقدماً في الضمير الوطني العراقي، وبالذات مع بروز الولاءات الضّيقة التي يُراد لها أن تحتل مكان الولاء الأكبر للوطن والدولة العراقية الجديدة، فللأسف تتداعى العديد من الأصوات لتأكيد لون وعمق الولاءات الطائفية والعِرقية وحتى العشائرية والجغرافية هنا وهناك على حساب الولاء للعراق!! فأيّ عراق يا تُرى نُريد عراقاً شيعياً أم سُنياً أم عربياً أم كُردياً أم تُركمانياً؟! فهل تعي هذه الأصوات أنَّ أيَّ تعميق لهذا اللون من الولاء سيؤسِّس للصراع والتصادم وهو ما سيقود-لا سامح الله- إلى التشتت والتجزئة.. هل تعي هذه الأصوات أنَّ مصلحة الكُل تكمن في تأكيد الولاء للُكل ضمن احترام خصوصية كافة التنوعات الداخلة في تكويننا الوطني؟!
وهنا نقول: أنَّ خلق عراقٍ للعراقيين يكمن في إيجاد وتمكين نظامٍ يعترف ويحترم ويرعى الكُل بغض النظر عن انتمائهم وولائهم الذاتي الخاص، وهو ما تنتجه الديمقراطية التي تُتيح للكُل الإشتراك في البناء والمساهمة في إدارة الحياة من خلال مبادئها القائمة على المواطنة والحرية والتسامح والحوار والتعددية وقبول الآخر والنقد والمحاسبة والشفافية والولاء والتضامن الوطني.
إنَّ ولاءنا الوطني اليوم على المحك، فحفظ وطننا ودولتنا وكياننا الإنساني والحضاري مقترن بتأكيد الولاء للعراق، وخلق السيادة الحقيقية والإستقلال التام وإعادة الإعتبار لإنساننا ومجتمعنا رهن قدرتنا على إنتاجنا لدولة ديمقراطية تحترم الكُل وترعى الكُل وتنتمي للكُل وتُحقق مصالح الكُل الوطني، وهذه هي مهمتنا التأريخية اليوم والتي سيتوقف عليها مستقبلنا برمته،.. فهل نعي قيمة مبدأ الولاء محوراً وطبيعةً ووجهةً.