بسم الله الرحمن الرحيم  

.رسالة في قضايا المرأة  .

? حسين درويش العادلي

abuhabib1@hotmail.com

Tel : 07901 43 44 23 

توطئة

   لعل من أولى الشروط الموضوعية  لإحداث أية نهضة مجتمعية تأخذ بأسباب الرقي والتكامل، هي: توافر النهضة على نظرة كونية صحيحة وحقيقية وهادفة تجاه مختلف قضايا الوجود والإنسان والمجتمع. فالنظرة الكونية في أبعادها العقدية تهب الأساس المعرفي الذي يتم على أساسه تفسير الوجود وتبيان استحقاقاته العملية المتلازمة وطبيعة تلكم النظرة إلى الأشياء، لذا فالترابط بين النظرة العقدية والتجارب العملية القائمة على أساسها هو ترابط جوهري لا فكاك عنه في الحياة الإنسانية، فالأساس الإيديولوجي هو الأساس العملي الذي تقوم وتتقوم عليه الحياة العملية للإنسان في تعاطيه مع مختلف أنماط وقضايا الوجود والحياة، ولا تعدو أن تكون الحياة بدون قواعد معرفية عقدية سوى ضرباً من العشواء والتحلل والعبثية.

   ونزعم: أنَّ العديد من كوارث التخلف والتراجع الحضاري الذي مُنيت به تجاربنا الإجتماعية أتت على خلفية الجهل أو الإعراض أو التحلل عن الإنتظام والإضباط ضمن أُطر نظرة عقدية صالحة وهادفة ومتطوّرة قادرة على صناعة الحياة وفق أمثل أنساقها.

   ولعل موقع المرأة في النظام الإيديولوجي والثقافي لمجتمعاتنا يُعتبر خير شاهد على انتكاستنا المعرفية والعملية، إذ أُسقط عليه الكثير من الرؤى والضوابط الخاطئة مما ساعد في تعطيل دور المرأة ونتاجها في حركة الحياة وعموم قضايا النهضة والتقدم الذي تطمح إليه مجتمعاتنا، والسبب هو الجمود والجهل.

   الجامدون والجاهلون هم أعداء التقدم الهادف وخُصماء النهضة الواعية والمتوازنة، إذ سحقوا الإعتدال تحت أقدام جمودهم وجهلهم، لقد أفرز لنا الجمود: السكون والتخلّف والوقفية ، بينما أنتج لنا الجهل : الإنحراف والتيه والعبثية ،.. إنَّ الجامد يفترض أنَّ كل قديم يمتلك الشرعية فلا يعي الفوارق بين الثابت والمتحرك بين القشر والّلب بين الهدف والوسيلة فأوقفوا حركة الإنسان والتأريخ، والجاهل يفترض أنَّ كل جديد صالح وأنَّ الرقي قرين التمرد على الأصالة فمسخوا الإنسان والتأريخ.

   وكانت المرأة أحدى أهم المصاديق لضحايا الجمود والجهل في حركة مجتمعاتنا المعاصرة،.. لقد تم عزل المرأة والحط من كرامتها ومكانتها السامية باسم الأصالة تارة وباسم التقدم والمدنية تارة أُخرى ، فأحالها أصحاب الجمود إلى كتلة مُهملَة، بينما صيّرها أصحاب الجهل إلى سلعة مُتداولة!!

   ويهمنا هنا استعراض قضايا المرأة على أرضية معرفية اسلامية، وذلك كون الإسلام ثابت من ثوابت مجتمعنا ويهمنا رأيه بوضوح لضمان عدم السقوط بشَرَكِ الجمود والجهل،.. إننا نسعى لإبراز الموقف من قضايا المرأة على أرضية الإعتدال الذي تقول به النظرة الكونية الإسلامية كجزءٍ من عملية التركيب الجديد لمجتمعنا الناهض مجدداً لبناء ذاته بعد خروجه من رُكام الكارثة،.. فأخشى ما نخشاه أن يتم إنتاج التخلّف والتحلل على أرضية أفكارٍ جديدة وتجارب جديدة، ففي ذلك كارثة نوعية ستشل حياتنا العراقية الواعدة والطامحة للتقدم والرقي والسعادة.

 

نظرة الإسلام إلى المرأة

 

   لا ريب أنَّ الإسلام أحدث ثورة كُبرى في المفاهيم والتشريعات الخاصة بالمرأة، فقد استلم الإسلام واقعاً إنسانياً وتأريخياً مُثقلاً بكافة أنواع الظلم والإضطهاد للمرأة كتكوين ودور واستحقاق، ولعل أبرز معالمه اعتبار المرأة ناقصة الإنسانية وأساس الخطيئة وقرينة الشيطان المنتج للشر والإنحراف!! ولم تنج العديد من المدارس الفلسفية والدينية من أسر هذه النظرة الخاطئة في كثير من الأحايين، بل أنَّ استقراء الواقع التأريخي يفيد بأنَّ معظم الحقوق الطبيعية التي نالتها المرأة لم يتجاوز عمرها المئة سنة الأخيرة، وما حق التملّك والإنتخاب والتّرشح إلاّ حقوقاً نالتها المرأة حديثاً.

   لقد اعتمد الإسلام نظرة مغايرة كلياً للمرأة إنطلاقاً من رؤيته العقدية للوجود الإنساني برمته، فقد نهض بذاتها من التخطئة إلى التطهير ومن الدونية إلى التكامل ومن الإهمال إلى الرّيادة ومن الإنزواء إلى الفاعلية.

 

   ويمكننا هنا إدراج معالم هذه النظرة الإسلامية من خلال العديد من القضايا المتصلة بالمرأة كوجود وطبيعة ووظيفة وجزاء، وهي:

 

قضية : الإستخلاف

 

    فالمُستخَلَف وفق النص الديني هو الإنسان، قال تعالى {وإذ قَالَ ربّكُ للملائكةِ إني جاعلٌ في الأرضِ خليفة } 31 البقرة، والخلافة تعني القيام بأعباء المُستَخلَف في إعمار الأرض أي إقامة التجارب الصالحة والمسؤولة والبنائية على تنوعها، والخطاب القرآني شاملٌ للذكور والإناث على حدٍ سواء، إذ لا حياة ولا دور ولا فاعلية تأريخية إلاّ بوجودهما وتعاونهما لأداء مهام الإعمار، وعليه فلا خلافة للرجل دون المرأة، كما لا خلافة للمرأة دون الرجل فهما مادة وموضوع الإستخلاف.

 

قضية : الخلق

 

   إذ تؤكد النظرة الإسلامية على وحدة أصل الخلق للرجل والمرأة، فكلاهما يتحدان في أصل الخلق وجوهره وقنواته، قال تعالى { وأنه خلقَ الزوجين الذّكرَ والأُنثى. من نُطفةٍ إذا تُمنَى } 45-46 النجم، ويتمتعان بكافة ميزات وخواص هذا الخلق دونما أدنى دونية تكوينية وفق أي مستوىً كان.

 

قضية : النوع والهوية

 

  الإنسان نوع واحد، وكافة أفراده متحدون في النوعية والماهية، وهي الإنسانية هنا  ولا فرق في نوعهم وهويتهم بين أُنثى وأُنثى، وبين ذكرٍ وذكر، وبين أُنثى وذكر، قال تعالى { يا أيُها النّاسُ اتقوا ربّكُم الذي خلقكُم من نفسٍ واحدةٍ ..} 1 النساء،  {.. فاستَجابَ لهم ربُّهم أني لا أضيعُ عَمَلَ عاملٍ منكم مِنْ ذَكَرٍ أو أُنثى بعضُكُم مِن بعض..} 195 آل عمران،.. وأرجو إنتباه هنا إلى البعضية التي يُشير إليها النص القرآني {بعضُكُم مِن بعض} فهي إضافة لدلالتها إلى وحدة النوع والهوية، فإنها أصل تشريعي يُعبّر عن وحدة الموقع للرجل والمرأة في نظام القيم ونظام الحقوق ونظام الواجبات في الإسلام، فليس للمرأة موقع مختلف عن موقع ومجال الرجل ، فكل واحد منهما ينتمي إلى حقيقة واحدة، ويتكامل مع الآخر في عين هذه الحقيقة، ولا ولن يستقل عنه سواء بها وفيها.

 

قضية : الوظيفة

 

   تنص النظرة الإسلامية على وحدة الوظيفة والدور والمصير الإنساني برمته،  وتقوم وتتقوم هذه الوحدة على أساس مبدأ الخلافة ومهامها ومسؤولياتها واستحقاقاتها، فوحدة النوع تقتضي وحدة الوظيفة والدور والمصير الذي يعني الإنسانية جميعاً من دون فرق بين ذكر أو أُنثى ، قال تعالى {مَنْ عَمِلَ سَيئةً فَلا يُجزى إلاّ مِثلَهَا ومَنْ عَمَلَ صالحاً من ذَكرٍ أو أُنثى وهو مُؤمِنٌ فأُؤلئكَ يدخلونَ الجنَّةَ يُرزَقُونَ فيها بغيرِ حساب} 40 غافر.

 

قضية : المستوى الإنساني

 

   تؤكد النظرة العقدية الدينية على وحدة المستوى الإنساني في الطبيعة والنتيجة والخلق والجزاء،.. قال تعالى مُخاطباً الإنسان ذكراً وأُنثى { ونفسٍ وما سَوّاها. فألهمَها فجورها وتقْوَاهَا . قد أفلحَ مَنْ زَكّاها. وقد خَابَ مَنْ دَسّاها } 7-10 الشمس، {إنَّ المُسلِمينَ والمُسلِمَاتِ والمؤمنينَ والمؤمنِاتِ والقَانتينَ والقانِتاتِ والصَّادقين والصَّادقاتِ والصَّابرينَ والصَّابراتِ والخَاشِعينَ والخَاشِعاتِ والمُتَصَدِّقينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصَّائمينَ والصَّائماتِ والحافظينَ فُرُجَهُم والحافِظاتِ والذَّاكرينَ اللهَ كثيراً والذَّاكراتِ أعَدَّ لَهُم مَّغفِرةً وأجَراً عَظيما} 35 الأحزاب.

 

قضية : التكريم

 

   التكريم القرآني عام وشامل للجنسين ولا يختص بالرجل دون المرأة بأي وجه، قال تعالى { ولَقَد كرَّمنا بني آدم..} الإسراء 70، بل حارب ثقافة الشرك الجاهلي التي كانت لا ترى كرامة أو أهمية للأُنثى { وإذا بُشِّرَ أحدُهُم بالأُنثى ظَلَّ وجهُهُ مُسودّاً وهو كظيم يتَوارى مِنَ القومِ من سوءِ ما بُشَّرَ بهِ أيُمسِكُهُ على هُونٍ أم يَدُسُّهُ في التُرابِ ألا سَاءَ ما يحكُمُون } 59 النحل، وحرر المرأة من نظرة الخطيئة التي كانت توصم بها من قبل بعض الديانات وما أوجدته من ثقافة الإزدراء على أساس خطيئة حوّاء الأولى المتأتية من إغراء آدم بالأكل من الثمرة المحرّمة، إذ أكد الإسلام على برائتها وطهارتها من فعل الإغواء وأنَّ الفعل الإغواء كان شيطانياً {فوَسوَسَ لهُما الشَّيطانُ ليُبديَ لَهُمَا مَا وُرِيَ عَنهُما من سَوءَاتهما..} 20 الأعراف، {فوَسوَسَ إليهِ الشَّيطانُ قالَ يا آدَمُ هَل أدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخُلدِ ومُلكٍ لا يَبلَى} 120طه، وأن المبادر الأول كان آدم ثم تبعته حواء بالفعل {وَلَقَد عَهِدنَا إلى آدَمَ مِن قَبلُ فَنَسِيَ وَلَم نَجِد لَهُ عَزمَا} 115 طه، {فَأكَلاَ مِنهَا فَبَدَت لَهُمَا سَوءَاتِهِمَا وَطَفِقَا يَخصِفَانِ مِن وَرَقِ الجَنَّة وعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} 121 طه.

 

وقفة مع قضايا الإشكالات

 

   لا نُبالغ إن قُُلنا: أنَّ من أهم المسائل الدينية التي تعرضت للتشويه والتحريف بُغية إنتزاع الرفض والموقف المضاد من الدّين.. قد أتت على خلفية موقف الإسلام من المرأة، فقد عَمِدَ البعض إلى تشويه دلالات النصوص الدينية لإنتاج دلالات أخرى توحي بالنظرة الدونية التي يحملها الإسلام تجاه المرأة. ولم تكن هذه النكبة المعرفية والعملية وليدة الموقف المغرض لبعض روّاد التحديث فحسب بل أتت أيضاً على يد أصحاب الفهم الديني القشري والمتشدّد الذين لم يلامسوا روح الدّين ومقاصده الكلية، وبذلك طُحنت حقيقة موقف الإسلام من المرأة بين رحى الإفراط والتفريط، بين مَنْ يُناصبون الله العداء وبين مَنْ يتقمصون دور الإلوهية.

 

   وسنُورد هنا بعض تلك الإشكالات التي تُتخذ ذريعة للدّلالة على موقف الدّين السَلبي من المرأة رفضاً أو تزمتاً، وهي:

 

قضية : المرأة والنّاس

 

   يُورد البعض وللدّلالة على نظرة الإسلام الدونية للمرأة  إشكالية إخراجها من جنس النّاس استناداً إلى قوله تعالى {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّسَاءِ والبَنينَ والقَنَاطيرِ المُقنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضِّةِ والخَيلِ المُسَّوَمَةِ والأنعَامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَياةِ الدُّنيا واللهُ عِندَهَ حُسنُ المآب} 14 آل عمران، إذ يؤكد البعض: أنَّ القرآن أخرج هنا النساء من النّاس ليستدّلو بها على نظرة الإسلام الدونية للمرأة!!،.. وهو خلاف حقيقة الخطاب القرآني كليةً.. فالنص القرآني يستخدم لفظة الناس شاملة لكلا الجنسين، وكلما وردت هذه اللفظة فإنه يُراد بها التعميم للجنسين.. والشواهد القرآنية على ذلك كثيرة وعديدة، منها {كان الناس أمةً واحدة..}، {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأُنثى وجعلناكم شعوباً قبائل لتعارفوا..}، وقد وردت لفظة الناس في القرآن الكريم ما يُقارب 240 مرة.

   أما بخصوص هذه الآية بالتحديد ((آل عمران 14))، ورغم أن هناك العديد من البحوث في ثناياها.. إلاّ أن الذي يخصنا هنا هو هذه الإشكالية التي يرمي أصحابها لوي عنق الحقيقة القرآنية بتعسفٍ واضح.. إذ أن المراد من الآية هو على عكس مما ذكروه تماماً، فإنَّ إخراج النساء من جنس النّاس، هو ليس إخراج طبيعة ودور ووظيفة، أي ليس إخراج تأثيم وتجريم ودونية.. حاشى، بل هو إخراج تكريم لو تمعنو بالدّلالة الكامنة في الآية واستهدفوا الحقيقة بعيداً عن الأغراض الإيديولوجية الرامية للحط من صورة الإسلام.

   لقد أتت هذه الآية في معرض الذم لخصوصية النظرة المعرفية والعملية لجنس من الرجال القشريين والمنقطعين عن المُثُل، تلك الخصوصية الوضيعة تتجلى في عدة ممارسات لا تمارسها المرأة بشكلٍ عام، من هنا تم إخراجها كي لا تشتملها هذه الخصوصية، وهي:

   أولاً : أنَّ هذا الجنس من الرجال لا ينظر إلى المرأة أو الأبناء أو الأموال.. إلاّ نظرة شهوة دون أية قيمة أخرى يلحظونها في تعاطيهم مع هذه الوجودات، فهم لا يعون الجوانب المشرقة الأخرى التي لابد وأن تُعطى حقها في النظرة والتوظيف والدور.. لذا فعملهم هنا مذموم قرآنياً.

   ثانياً : أنَّ هذا الصنف من الرجال قد جعل نفسه وذاته نواةً لتراكم عوامل القوة والإنقطاع إليها، فالواحد منهم  يُريد الإستكثار منها بدافع الإثرة أو الإستغناء أو الإحتكار أو التفوق.. أياً كان السبب.. فهو مدفوع بجنون شهوة التملّك التي لا تعرف حداً.. وهو أمر لا تجده عند النساء غالباً كما هو عند الرجال قوةً واندفاعاً.. لذا تم إخراج النساء من الناس هنا واقتصار اللفظة على الرجال الطوالح دلالةً.

   ثالثاً : إنَّ التّزيين في هذه الآية لا يُنسب إلى الله تعالى بل إلى الشيطان، والشيطان هو عنوان مَن شطّ وانحرف عن الطريق السّوي إنسّاً كان أم جِنّا.. لأنَّ التزيين هنا ليس هو التزيين الفطري أي التكويني -الطبيعي الذي خُلق عليه الإنسان، فالتزيين الفطري أساس نشوء وتكامل الحياة؟! إذ أنَّ كافة النّاس رجالاً ونساءاً مدفوعين تكوينياً لحب بعضهم البعض وحب البنات والبنين والمال لضمان قيام حياتهم التي هي نتاجهم المشترك ، فكيف يصح ذم هذا التزيين وتقريعه!! بل المراد بالذم هنا هو ذم التزيين الشيطاني أي التزيين الخاطيء والمنحرف الذي يُصادر النظرة الموضوعية والهادفة من هنا ذم الله تعالى هذا التزيين الوارد في الآية ، لأنه جاء تعبيراً عن نظرة خاطئة وتوجهٍ مذموم .. بدليل أنه استعمل تعبير ((البنين)) أيضاً لأنَّ هؤلاء لا يرَون بالبنين سوى مصدر للشهوة والقوة والإستعلاء، فهل يمكننا القول بالنظرة الإسلامية الدونية للبنين أيضاً؟! من هنا نلحظ أنَّ استثناء النّساء من النّاس وحصره بهذا النوع من الرجال، وهو استثناء تكريم وإخراج لهُنَّ من دائرة الذم.

 

قضية : القوّامية

 

   يوظّف البعض معنى القوّامية للدّلالة على اضطهاد المراة إستناداً إلى الآية المباركة {الرّجالُ قَوَّامونَ على النسَاء بما فضَّلَ اللهُ بعضُهم على بعضٍ وبما أنفقوا من أموالهم..} 34 النساء، في حين أنَّ القوّامية تُفيد معنى الرعاية والكفالة والقيام بخدمة الزوجة وتلبية متطلباتها على ما هو شائع لدى اللّغويين والعديد من المفسّرين، وهو دليل حنو ورعاية لا دليل تسلّط وسحق للزوجة، فالزوجة في عُرف الإسلام شريكة لا أجيرة، وهي سَكَنٌ للرجل ولا حاضن مؤهل له غيرها {ومِن آياتِهِ أن خَلَقَ لكُم من أنفُسُكُم أزوجاً لتسكُنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة } 21 الروم، كل ذلك ضمن قاعدة الأهلية الكاملة للمرأة وولايتها على نفسها ومالها وعملها.

   أما مفاد قوله تعالى {بما فضَّلَ اللهُ بعضُهم على بعض} فالعلة هنا ليست علة مستقلة، بل بالإنضمام مع إنفاق المال المدلول عليه بالمقطع التالي من الآية {وبما أنفقوا من أموالهم} فالقوّامية مسبّبة عنهما معاً وفي حالة انفكاكهما لا تتحقق القوّامية.

 

قضية : الشهادة

 

   وقد نشأت عنها شبهة النظرة الدونية للمرأة باعتبار عدم كفاية شهادتها قياساً بالرجل استناداً إلى {..واسْتَشهِدُوا شَهِيدَينِ مِن رِجَالِكُم فإنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وامرَأتَانِ مِمَّن تَرضَونَ مِنَ الشُّهدَاءِ أنْ تَضِلَّ إحدَاهُما فَتُذَكِّرَ إحدَاهُما الأُخرى..} 282 البقرة، وواقع الحال أنَّ قضية الشهادة هنا مرتبطة كُلياً بالواقع الموضوعي فيما يخص الشهادة من حيث الإحاطة بالوقائع وخصائص وحيثيات الحدث أياً كان.

   إبتداءاً فإنَّ المراد من الضلال الوارد بالآية إنما هو النسيان باتفاق أهل التفسير بقرينة قوله تعالى {أنْ تَضِلَّ إحدَاهُما فَتُذَكِّرَ إحدَاهُما الأُخرى} فمداره هو النّسيان، وهو عامل موضوعي لا علاقة له بكرامة وأهلية المرأة، ولو شهد رجل عَدل على أرضية الإرتباك والنسيان وعدم الإحاطة بخصائص الواقعة المشهود عليها لما قُبلت شهادته.

   إنَّ الشهادة عملية تستلزم الحضور والإحاطة بالواقعة المراد الشهود عليها كي تكون حقيقية وجازمة وكاشفة عن خصائص الحَدث بما يضمن سلامة النتائج المترتبة عليها، لذا لا يكفي فيها الإستنتاج والظن والتخمين، بل لابد من المعايشة والحضور والإحاطة الكاملة بالحدث بتفاصيله ليصح الحكم عندها، والمرأة غالباً ما تمنعها شؤونها الأُسرية وحياتها الذاتية من الحضور الكامل والإحاطة المباشرة والكاملة بالمنازعات والحوادث التي تشهدها الحياة، وعدم الحضور الكامل يؤدي إلى عدم الإحاطة الكاملة بكل التفاصيل المتعلقة بالحَدث مما يضر بالشهادة ونتائجها في الحُكم النهائي، من هنا جاء التعضيد بشهادة إمرأة أخرى لتلافي النقص في الإحاطة بخصائص الحدث عندما تُذكّر إحداهما الأخرى بشيءٍ قد فات الأولى جرّاء النسيان الناشيء من عدم الإحاطة بالواقعة المشهود عليها، من هنا جاء القول بتعدد في شهادة النساء، ويؤكد هذا القول عدم إعتبار التعدد في شهادة النساء فيما يخص الشؤون النسائية ، فيكفي شهادة امرأة واحدة في الحكم بقضايا النساء الخاصة مما لا تطّلع عليه إلاّ النّساء من قبيل بكارة المرأة وثيبوبتها وولادتها وسلامتها من العيوب..الخ.

 

قضية : الحَرْث

 

   كما يُوظّف البعض معنى الحَرث توظيفاً سيئاً للدّلالة على دونية المرأة من خلال تشبيهها بالحَرث {نِسَاؤكُم حَرثٌ لَكُم..} 223 البقرة، ولا نعلم إساءةً في ذلك، فالآية ناظرة إلى بقاء النوع الإنساني المتأتي من لقاء الزوج والزوجة ، من هنا كان التشبيه بالأرض والزراعة والحرث لإيصال معنى بقاء النوع الإنساني.. وكلها صفات نماء وخير وبركة لا تقريع فيها، أتت لتوضيح إحدى أهم عطاءات لقاء الزوجين متمثلاً بالنّسل والذّرية،.. ولقد جاءت الآية التي سبقتها كممهد لشرح شؤون لقاء الزوجين عندما نهت عن لقائهما على أرضية دخول المرأة فترة المحيض {ويسألونكَ عن المحيض قُلْ هو أذىً فاعتزلوا النّساء في المحيضِ ولا تقربوهُنَّ حتى يَطهُرنَ فإّذا تطَهَّرنَّ فأتوهُنَّ من حيثُ أمركُمُ اللهُ إنَّ اللهَ يُحبُّ التّوّابينَ ويُحبُّ المُتَطَهّرين} 222 البقرة، حيث أنَّ الطبيعة النسائية منشغلة في حالة الطمث بتطهير الرحم وإعداده للحمل، والوقاع يختل به هذا النظام الفسيولوجي فيضر بنتائج العمل الطبيعي من الحمل وغيره.

 

قضية : الإرث

 

   وهي من المسائل التي أُثير حولها لغط كبير للتدليل على عدم المساواة بين الرجل والمرأة في الشريعة الإسلامية من خلال التمييز المالي لتركة المتوفي بين الذكور والإناث {يُوصِيكُمُ اللهُ في أولادِكُم للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَين..}11 النّساء، إنَّ المشكلة التي أوجدت كل هذا اللغط نشأت من عدم إدراك طبيعة النظام المالي الإسلامي فيما يتعلق بالأُسرة واقتصادياتها، ولا علاقة لهذا التشريع بالقيمة الإنسانية للمرأة إطلاقاً، فالنظرة الإقتصادية الإسلامية تُقرر واجبات مالية كبيرة على الرجل القيام بأعبائها ويُحرر المرأة منها، فعلى الرجل تحمّل مهر الزوجة ونفقات العُرس وبيت الزوجية والنفقة على الزوجة والأولاد والأبوين إذا كانا فقيرين، في حين لا تتحمّل المرأة من هذه الأعباء الإقتصادية شيئاً ، وهنا فإنَّ هذه الفروض الإقتصادية التي تُلزم الرجل تفترض تعرّض حصته ( من الإرث ) للإنفاق الكبير والإستنزاف الدائم بقدر تعدد واجباته الأُسرية، في حين أنَّ حصة المرأة من الميراث ستبقى على حالها دون أية فروض وواجبات مالية إلزامية تجاه الزوج أو الإبن أو الأب إذ لا يجب عليها الإنفاق. إنَّ مدار قضية الإرث تتعلق بالدور الإقتصادي للرجل في ظل الأُسرة المسلمة وما يجب أن يتحمّله من أعباء النفقة الشاملة، ولو تساوت الواجبات المالية بين الرجل والمرأة فسيصح عندها تساويهما بحصص الميراث بين للذكر والأنثى، كمثل مَن مات وله أبوان وأولاد فإن نصيب الأبوين سيكون متساوياً قال تعالى]وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ[ وهذا فيه مساواة بين الأب (الذَّكر) والأم (الأُنثى) في الميراث. وبذلك نعلم أنَّ مدار قضية الإرث هو مدار إقتصادي أُسري فيما يفرضه الإسلام من واجبات على الرجل للقيام بأعباء الحياة الأُسرية ، وليست المسألة متعلقة بالقيمة والمكانة الإنسانية السامية للمرأة، كما يجب ألاّ تُعمم هذه القضية وتُسحب على مجمل الوضع الإقتصادي للمرأة، فالمرأة مُسلّطة على مالها ولها الحق بالأجر الكافي والمتساوي مع الرجل في حقول العمل والإنتاج. 

 

قضية : المكوث

 

   يذهب البعض إلى أنَّ الإسلام يحجر على المرأة عندما يُطالبها بالمكوث بالبيت والإنقطاع عن التواصل مع الحياة مما يحول دون ممارسة دورها الإنساني، وقد بنوا نظرتهم هذه على أساس الآية {وقَرنَ في بيُوتِكُنَّ..} 33 الأحزاب، وهي إشكالية لا أساس موضوعي لها كونها قامت على فهمٍ خاطيء لمراد الآية وسبب نزولها، فقد أجمع أهل التفسير على أنَّ هذه الآية خاصة بنساء النبي (ص) دون باقي النساء بدليل الآية التي سبقتها {يا نسَاءَ النَّبيِ لَستُنَّ كَأحَدٍ من النَّسَاء إن اتَّقَيتُنَّ فلا تَخضَعنَ بالقولِ فيطمعَ الّذي في قَلبِهِ مرضٌ وقٌلنَ قولاً مَّعروفا} 32 الأحزاب، وهي مسألة مرتبطة بالبيت النبوي وحيثياته وخصائصه مما لا مجال لإستعراضه هنا، ولا علاقة لها بمسألة الحجر على النساء، ولا يوجد لدينا دليل شرعي واحد معتبر يوجب على النساء الإنقطاع عن العالم ولزوم البيت، فذلك مما يُعطّل وجودها ودورها ومسؤولياتها ككائن مُستَخلَف.

 

**     **     **

  

   بناءاً على ما تقدم نقول: لا أهلية أو شرعية لكافة الآراء والأفكار والطروحات التي تُحاول الحط من قيمة المرأة، ونرى أنَّ المحاولات التي تستهدف التقليل من مكانة المرأة إنطلاقاً من التزمت في فهم النصوص الدّينية أو التحلل والتمرد عليها لا نصيب لها من الحقيقة والموضوعية شيئاً، وأنَّ الشرع والعقل والواقع يُثبت أهلية المرأة ومكانتها السامية في الحياة الإنسانية التي لا يمكن أن تقوم وتنشأ إلاّ بتعاضد المرأة والرجل في الدور والوظيفة.

   وللتأكيد نلحظ: أنَّ النص القرآني قد جعل المرأة قدوة ومثالاً واجب الإحتذاء والتطبيق ليس لباقي النسوة فقط وإنما للرجال أيضاً.. وما ذلك إلاّ إقراراً بأهلية المرأة الطبيعية والوظيفية للرقي والكمال حالها حال الرجل، قال تعالى {وضَربَ اللهُ مَثلاً للّذين آمنوا امراةَ فرعونَ..} 11 التحريم، فامرأة فرعون هنا مثلاً لنا جميعاً في الإرتقاء والكمال ذكوراً كُنا أم إناثا .. بل يصل الأمر إلى حد الإصطفاء {وإذ قالتِ الملائكةُ يا مريمُ إنَّ اللهَ اصطفاك..} 42 آل عمران، فكيف يمكن القول بنظرة الإسلام الدونية للمرأة كتكوين ودور ومصير؟!

 

   وأود جلب إنتباه القرّاء الأكارم إلى بعض أحاديث الرسول الأكرم (ص) بحق المرأة  وهي نصوص تُغيّبها ثقافة مجتمعنا الذكوري التي ما زالت تعيش وأد الأُنثى معنوياً بعد أن تخلّت عن وأدها جسدياً .

 

   يقول (ص) ليشيع الرأفة والحب والثقة بين الزوجين: ((قول الرجل للمرأة إني أُحبك لا يذهب من قلبها أبدا)) مع أنَّ ثقافتنا الذكورية ترى ذلك عيباً!! ويقول (ص) لحث الرجل على خدمة زوجته بل ليدلّلها: ((إذا سقى الرجل امرأته أُجر)) و ((إنَّ الرجل ليؤجَر في رفع اللقمةِ إلى في إمرأته)) بينما ترى ثقافتنا الذكورية ذلك ضعفا!!.. ويقول (ص) لجعل حب النساء دليلاً على الأخلاق الفاضلة: ((من أخلاق الأنبياء حُب النساء)) و ((ما أكرم النّساء إلاّ كريم ولا أهانهن إلاّّ لئيم))، ويقول (ص) لإعادة التوازنية وإشاعة العدل: ((خيركُم خيركُم لأهله)) و ((إني لأتعجب ممن يضرب امرأته وهو بالضرب أولى منها)) و ((إنَّ الله تبارك وتعالى أرأف بالإناث منه على الذكور، وما من رجل يُدخل فرحةً على امرأةٍ بينه وبينها حُرمة إلاّ فرّحه الله يوم القيامة)) ، ويقول: ((فاتقوا الله في النّساء واستوصوا بهنَّ خيرا)).

 

   فهل يمكننا الحكم بعد هذا بدونية النظرة الإسلامية للمرأة كوجود وطبيعة ووظيفة ودور ومكانة؟! تساؤل أطرحه بصدق على طُلاب الحقيقة وروّادها.. وأرجو أن لا تُطحن الحقيقة بين رحى الإفراط والتفريط.. بين ثقل جمود قوى الظلام وخِفَة جهل قوى التحلّل.

 

**     **     **

قضية التحرر

   قيل وكُتب الكثير عن قضايا تحرر المرأة في مجتمعاتنا الحديثة، وشهد الواقع أنشطة متعددة الأغراض والإتجاهات لحل مُشكل تحرر المرأة والإرتفاع بمستواها الإنساني والوطني،.. وللأسف أُستُقطِبت قضايا التحرر في العديد من طروحاتها وبرامجها بين الإفراط والتفريط، بين النـزوع إلى التمرد على أية قيم وضوابط وبين النـزوع إلى الحجر والرفض لأي تغيير!!

   ولسنا هنا بصدد استعراض الطروحات والبرامج التي أُسست وفق نظام الإستقطاب الإفراطي والتفريطي هذا، بقدر ما نُريد التأكيد على أنَّ قضايا المرأة وبالذات قضية تحررها من أسر الجمود كانت وما زالت أهم ضحايا هذا الإستقطاب الحاد، وكان الأولى بالرّواد والمدارس النهضوية سلوك طريق الإعتدال وفق أرضية الجمع بين ما هو قيمي وأصيل وأساسي، وبين ما هو حديث ومتمدن وموضوعي.. لإنتاج الرؤى والبرامج التي ترفع من مكانة المرأة بما يؤهلها لممارسة دورها الطبيعي في الحياة على تعدد أشكال وآفاق هذا الدور.

   إننا لا نختلف في أصل وجوب تحرر المرأة وإنما الإختلاف يقع حول طبيعة قيم وبرامج التحرر المراد تحقيقه ، فالسؤال الأعمق الذي يطرح نفسه دوماً هو: تُرى مما نُحرر المرأة، وهل تنتظم عملية التحرر وفق أنظمة قيمية معينة؟ فالجدلية تتمحور أساساً حول مادة وموضوع وأنظمة التحرر.

   إننا وانطلاقاً من منظومتنا القيمية والمعرفية نرى: أنَّ الحرية قيمة إنسانية أصيلة وجوهرية، وعملية التحرر تعني رفع أي قيد يعمل بالتضاد مع هذه القيمة بما يُنافي الكينونة الإنسانية الذاتية وطبيعتها وشعاع آمالها الفطري، فأي قيد فكري أو سلوكي يحول دون تفعيل أو تحقيق إنسانية الإنسان في جوانبها التكوينية الحقيقية والموضوعية والصادقة.. يجب رفضه ورفعه لضمان رقي وتكامل الحياة الإنسانية، وهي بالعموم قضية تحرر الإنسان ذكراً كان أم أُنثى.

   إننا ننحى في أصل قضايا التحرر المنحى التكويني، إذ نعتقد أنَّ الحرية قيمة تكوينية تنبثق عنها كافة أشكال الإبداع والتطور، وهي قيمة ثابتة بثبوت نوع الإنسان وجنسه، وهي ركيزة كُبرى تُؤسَّس عليها منظومات الحقوق والواجبات ومنظومات الثواب والعقاب، وكافة أنماط التأسيس لأشكال الحياة إنما تستمد قيمتها في الفعل من الحرية كأساس جوهري يعطي للفعل الإنساني الأصالة ويستحق على أساسه الجزاء.

   ومع قولنا بأصالة قيمة الحرية وجوهريتها وسابقيتها للفعل الإنساني، فإنها وبذات الوقت تستلزم التقنين والإنضباط الذاتي والخارجي، من هنا نقول بالإلتزام والإلزام كقيم أساسية لا حياة للحرية الهادفة والمسؤولة عنها بأي شكل، فلا يمكن تصور الحرية دونما التزام إنساني ذاتي وإلزام قانوني خارجي وإلاّ ستتحول إلى فوضى كونية لا تستقيم معها أية تجربة إنسانية، ولن نجد تجربة إنسانية تعيش التحلل والفعل المتمرد على ضوابط الإلزام والإلتزام والتي هي في جوهرها ضوابط قيمية تنتظم بها ومن خلالها الحياة ، وهذا هو مذهب كافة المدارس الهادفة والمُنتجة.

   إنَّ قيام الحياة الهادفة والراقية يكمن في الإلتزام كشرط إنساني أخلاقي ذاتي، وعلى أساسه يستمد الإلزام الخارجي مشروعيته، وعل أساس الإلتزام والإلزام كأصل تكويني وشرط موضوعي تنشأ لدينا المسؤولية كقيمة ودور والتي لا حياة لأية تجربة إنسانية دون إقرارها واعتمادها.

   ومن هذه المسؤولية ينشأ الجزاء كنتيجة موضوعية تُنتجه المسؤولية سلباً أو إيجابا، فالإلتزام بالمسؤوليات واستحقاقاتها العملية يستوجب جزاء المثوبة، والتحلل منها والعمل ضدها يستوجب جزاء العقوبة،.. وعلى هذا الأساس تقوم فلسفة الجزاء لدى جميع الشرائع وكافة المذاهب.

   من جهةٍ أخرى، فمن مجموع الإلتزام والإلزام والمسؤولية يتألف لدينا النظام القائم وفق سلسلة من التشريعات والقوانين المحددة، وباختراقها يضع الإنسان نفسه تحت طائلة المسؤولية والعقاب أياً كان. وبما أنه لا يمكن تصور قيام حياة إنسانية حقيقية ومتطورة وتصاعدية دونما نظام تشريعي وتنظيم قانوني شامل لكافة مرافق الحياة الإنسانية، عندها يجب الحكم بوجوب الإلزام والإلتزام كقواعد قيمية ثابتة لضمان نشوء أُطر المسؤولية في التعاطي مع النظام والقانون.

   إنَّ منظومات النظام والقانون الضامنة للبناء المجتمعي الهادف والمسؤول للحياة إنما هي بناءات علوية تستمد شرعيتها أساساً من منظومات القيم الإنسانية الأصيلة والثابتة،.. وأدنى خلل يُصيب ذوات هذه القيم سيقودنا إلى اختراق دوائر النظام والقانون لا محالة،.. وهي كافة تستند الحرية كأساس جوهري يعطي الفعل الإنساني قيمته الذاتية ويُبنى عليه في ترتيب الأثر الخارجي وبناءاته أو تداعياته وإلاّ ستنهار كافة بناءات الإلتزام والإلزام والمسؤولية والقانون والنظام والجزاء،.. وهنا فالتحرر عملية تقوم على التمرد والإنضباط في ذات الوقت، التمرد على أية قيود تحول دون تحقيق الذات وتفعيل الملكات والقدرات الإنسانية، والإنضباط باستحقاقات المسؤوليات المترتبة على الإلتزام الإنساني القيمي الذاتي باعتبار أنَّ الإنسان كائن أخلاقي، وأيضاً الإنضباط وفق شروط الإلزام القانوني الخارجي كأساس تنتظم به التجارب الإنسانية الجماعية ، لذا فإنَّ عملية تحرر الإنسان بالمطلق والمرأة بالذات هي عملية واعية وهادفة ومنضبطة تعي ما لها وما عليها في حركة الإنسان في رَحم هذه الحياة، وبخلاف ذلك سيُسحق التحرر بين رحى الإفراط والتفريط والتحلل والتزمت.

   من هنا نقول: إنَّ كل فكر وبرنامج ومشروع يُحرر المرأة من الجهل والتخلف والأُمية والدّونية والظلم والعُنف والإضطهاد والعزل والإقصاء والتهميش والفساد والتّحلل.. وبما يؤهلها ويدفع بها لميادين المشاركة والفاعلية والريادة والتصدي لمختلف شؤون الحياة إبتداءاً من الأُسرة وانتهاءاً بالسلطة والدولة.. وضمن الحواضن القيمية والأخلاقية الفاضلة... لهو تحرر نهضوي بنائي لا جدال في أحقيته وضروريته الحاسمة لبناء حياة إنسانية راقية متكاملة.

   ونجزم؛ بأنَّ الأساس المعرفي الدّيني والإنساني يُطابق مضمون ورسالة هكذا تحرر ويحكم بضرورته لخلق مجتمعٍ ناهض ومتقدم، وما نلحظه من انتكاسات وكوارث عملية على صعيد دور المرأة لا تعود في جوهرها للأساس المعرفي والقيمي بل إلى طبيعة الواقع العملي ذاته بتعقيداته المختلفة، أي أنَّ أساس المشكلة التي اقتضت طرح قضايا تحرر المرأة لا يتمثل بالأُسس النظرية التي تهب النظرة المعرفية للمرأة كوجود ودور ورسالة بقدر ما هي مشكلة أورثتها عهود التخلّف المجتمعي ككل وما احتوته من نظرات وممارسات وتقاليد وعادات باطلة وجاهلة وتعسفية فرضت نفسها على حركة المجتمع ككل ومنها المرأة،.. والأمثلة دالّة على ذلك، فحرمان المرأة من التعلّم والتعليم مما أدّى إلى شيوع الجهل والأُمّية وبنسب عالية في أوساط المرأة، هل هو نتاج نظرة معرفية عقدية قيمية أم هو نتاج العادات والتقاليد المجتمعية الخاطئة؟!

   والحال ذاته في حرمان المرأة من ممارسة دورها الطبيعي في العمل السياسي الأمر الذي أعاق نمو وتطور الحياة السياسية لدولنا، فرغم أنَّ حق العمل والمشاركة السياسية كان شكلياً وصورياً إلاّ أنه لم يُمنح إلاّ متأخراً.. فالإحصاءات تقول أنَّ جيبوتي هي أول دولة عربية منحت المرأة الحق في العمل السياسي عام 46 19إلا أنها لم تُمنح حق التصويت في الانتخابات إلا عام 86 ومع ذلك فلم تنجح في دخول البرلمان حتى الآن امرأة واحدة!!! وفي لبنان حصلت المرأة على حق التصويت والترشيح عام 52 إلا أن أول امرأة لبنانية لم تتمكن من دخول البرلمان إلا عام 91،.. وفي سوريا حصلت المرأة عام 53 على حق التصويت والترشيح ودخلت أول امرأة سورية البرلمان عام 73،.. وفي مصر حصلت المرأة على حق التصويت والترشيح عام 56 ووصلت إلى البرلمان عام 57،.. وفي عام 59 حصلت المرأة التونسية على حق التصويت والترشيح ، تلتها موريتانيا حيث حصلت المرأة هناك عام 61 على حق التصويت والترشيح لكنها لم تصل إلى البرلمان إلا عام 75،.. تلتها الجزائر حيث حصلت المرأة الجزائرية عام 62 على حق الترشيح والتصويت ونجحت في دخول البرلمان في نفس العام،.. تلتها المرأة المغربية عام 63 لكنها لم تتمكن من دخول البرلمان إلا عام 93،..تلتها المرأة السودانية عام 64،.. ثم الليبية في نفس العام،.. وجاءت اليمن في المرتبة الثانية عشرة ، حيث حصلت المرأة هناك على حق التصويت والترشيح عام 67 لكنها لم تتمكن من دخول البرلمان إلا عام 90،.. تلتها المرأة الأردنية حيث حصلت على حقها السياسي عام 74 ودخلت البرلمان عام 89،.. أما المرأة العراقية فحصلت على حقها صورياً عام 80،.. والعُمانية حصلت على حقها عام 94، تلتها القطرية عام 98،.. وما زالت المرأة تناضل للحصول على هذا الحق الطبيعي في العديد من دول الخليج !! وبذلك نعلم أنَّ المشكلة في عمقها هي مشكلة الفشل في إنتاج ذواتنا المجتمعية والوطنية بما يوافق استحقاقات الأصالة والحداثة، فالإستسلام للجهل والتخلّف والإستبداد أورثنا كل هذا الكم من الكوارث على مختلف الصُعُد ومنها قضايا المرأة.

   والأغرب من ذلك، لم يشهد الواقع الإنساني بعد الخلاص من موروثات النظرة الدونية المتخلفة تجاه المرأة حتى في المجتمعات المتطورة، إذ تؤكد الإحصاءات الدولية على النِسَب المتدنية على صعيد مشاركة المرأة في برلمانات الدول الديمقراطية، ففي اليونان بلغت نسبة مشاركة المرأة في البرلمانات السياسية 10.9%، وفي فرنسا 11%، وفي الولايات المتحدة 12%، وفي إيطاليا 12%، وفي البرتغال14%، وفي إسبانيا وبلجيكا نفس النسبة تقريباً، ما عدا دول الشمال الأوربي إذ ارتفعت النسبة إلى 37%.

 

قضية الحقوق

 

   تستند قضية حقوق المرأة إلى حقوقها الإنسانية التكوينية والتي هي هبة الخالق قبل أي اعتبار آخر، فهي حقوق أصيلة وحقيقية وموضوعية في ذاتها وليست اعتبارية أو مكتسبة سواء من الرجل أو من الواقع الخارجي المتأتي من التجربة البشرية، وتأدية الواجب المُلقى على عاتق الإنسان ذكراً كان أم أُنثى لا يمكن أن يصح دون تعريف الحق الذي له والإعتراف به وتمكينه.

   إنَّ قضية الإستخلاف الإنساني قضية شاملة وعامة ومتكاملة للجنس البشري بشقيه الأُنثوي والذكري دونما تمييز، وكل ما يترتب عليها من وحدة الخلق والنوع والهوية الإنسانية المشتركة بين الرجل والمرأة إنما يستدعي وحدة الوظيفة والدور وهذا يتطلب اعترافاً وتمكيناً لمنظومات الحقوق والواجبات الإنسانية على تنوع موضوعاتها وقضاياها ، وإلاّ لا موضوع أساساً للإستخلاف والوظيفة.

   إنَّ نظام الحقوق الإنسانية إنما هو نظام تحقيق الذات الإنسانية في عمقه ، هو عملية إخراج إنسانية الإنسان من القوة إلى الفعل ، فحقوق الإنسان هي تعبير عن وجوده فبها يحيا ويُنتج ويتكامل، ولا يمكن أن نتصور إنساناً متكاملاً فيما لو تم حرمانه أو تجريده من أي حق من حقوقه الطبيعية، لذا فالحقوق تُساوق الذات في النشوء والإرتقاء الإنساني.

   كما يجب التنويه إلى أنَّ نظام الحقوق والواجبات الإنساني يستند إلى نظام التكامل بين المرأة والرجل بدون خصومة أو عداء أو تجاهل أو إقصاء بينهما، لذا يجب عدم تحويل قضية حقوق المرأة وكأنها صراع أُنثوي – ذكري على صلاحيات ومساحات العمل بينهما في دوائر الحياة، إنَّ بناء الحياة لا يمكن أن يتم إلاّ وفق قواعد وآليات التكامل بين الرجل والمرأة، وقد ذكرنا أن لا حياة ولا استخلاف ولا تجربة وحضارة إنسانية دون اعتماد تكاملهما في الدور والوظيفة الإنسانية،.. وهنا يصبح الإعتراف بحقوق المرأة شرط وجودي لنشوء الحياة الصالحة والراقية والتكاملية.

   استناداً إلى ذلك فإنَّ حقوق المرأة هي حقوق طبيعية جوهرية ليس لنا إسقاطها بحال باعتبارها حقوقاً إنسانية تكوينية ثابتة للنوع الإنساني برمته بها ومن خلالها تنشأ الحياة، وكذلك هو حال حقوقها الوطنية باعتبارها عضواً في مؤسسة الدولة المنتمية إليها.

   إنَّ قضية الحقوق الإنسانية الطبيعية والوطنية المكتسبة للمرأة تُعتبر حقوقاً قاعدية أساسية كُبرى يجب تأكيدها وصيانتها فيما لو استهدفنا مجتمعاً ناهضاً ودولةً متقدمةً ، فلها حق التمتع بإنسانيتها الكاملة باعتبارها هبة الله تعالى وفي مقدمتها حقوق الإنسان، ولها حق التمتع بعضويتها الوطنية التامة باعتبارها نتاج الإنتماء للوطن والدولة وفي مقدمتها حقوق المواطنة دونما إخلال أو تعسف أو مصادرة، فكما يجب تأكيد وصيانة حق المرأة في الحياة والكرامة والأمن يجب أيضاً تأكيد وصيانة حقوقها الوطنية وفي طليعتها الحق بالمشاركة السياسية في ظل دولة دستورية مدنية ديمقراطية، فحق الإنتخاب والترشيح بعيداً عن التمييز من أولى حقوقها الإنسانية والوطنية الثابتة والدائمة.

   إنَّ حق المرأة بالتعبير والرأي والإختيار والتملّك والعمل والإجتماع ..الخ، وحقها بتقليد وظائف الدولة على تنوع مستوياتها دونما تمييز، وحقها بالإنخراط والمشاركة في شؤون الحياة العامة بما في ذلك المشاركة في الأحزاب والجمعيات والمؤسسات والمنظمات والإتحادات ، وحقها بالعمل في مرافق الدولة السياسية والإقتصادية والإجتماعية على تنوعها..الخ لهي حقوق طبيعية إنسانية ووطنية لا مناص من الإعتراف والعمل بها لضمان تقدمنا المجتمعي والوطني.

   إنَّ قضايا التنمية والنهوض الشامل بواقعنا الكارثي لا يمكنه أن يتم دون تغيير خطابنا التقليدي العاجز عن صناعة الحياة، وهنا تدخل قضايا حقوق المرأة في صميم عمليات تجديد الخطاب البُنيوي التأسيسي الحديث، لذا يجب أن يرتقي خطابنا عن مستويات الإنشاء والزخرفة اللفظية ليندك جوهرياً في مشاريع جادة للرقي بمستوى المرأة الأم والأخت والمُربية والعالمة والعاملة.. فالمسألة تتجاوز في أهميتها مفردات حُسن معاملة المرأة والرفق بها والحنو عليها.. إلى حركية إجتماعية جوهرية تفعّل كافة استعدادات المرأة في العلم والعمل والمشاركة الكاملة في شؤون الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية والحضارية، وهنا فإنَّ فاعلية مجتمعنا تكمن في حيوية مكوناته الأساسية واشتماله على مقومات التجدد والمواكبة والمواصلة، وهي مقومات لن تُثمر إلاّ وفق أرضية ثابتة وواضحة ومُصانة من الحقوق والواجبات لضمان خلق ديناميكية حياتية تعي ما لها وما عليها في خضم عمليات البناء الحضاري.

   إنَّ أسوأ السجون تلك التي تسجن العلم والوعي والإرادة ، وأسوا القيود ما يأسر الإنطلاق والفاعلية والإبداع.. ونرى: أنَّ تجدد مجتمعنا واتحاده بآفاق الإبداع لن يتم وهو يرفل تحت أغلال السائد من الجهل والتهميش والإقصاء، وتحطيمها رهن حركية مجتمعية مدنية رصينة وهادفة تتجاوز صيغ السائد إلى ما هو مُبدع ، وصيغ الجهل إلى ما هو نيّر، وصيغ الخنوع إلى ما هو منبعث،.. وكما على الدولة والنُخب أبداع شروط هذه الحركية المجتمعية الناهضة، أيضاً على المرأة واجب مضاعف في تأكيد ذاتها وحضورها في خضم أُتون هذه الحركية المُبتغاة، فتأكيد نجاحها العملي في ميادين العلم والعمل والإلتزام والفضيلة سيُساعدها في تحطيم أسر الواقع والإنطلاق بجد للمشاركة في عمليات البناء الحضاري الشامل.  

 

**     **     **