|
تمثلت دولتنا الأولى بالعهد الملكي والذي إمتد من 1921-1958، وتمثلت دولتنا
الثانية بالعهد الجمهوري الذي إمتد من 1958-2003،.. ومع نهاية صدام انتهت
الدولة العراقية الحديثة في عهدها الثاني، وها هي دولتنا العراقية تعيش مخاض
الولادة لتدشن عهدها الثالث.
لا ريب أننا فشلنا بإنتاج دولة وطنية متجذرة بدستورها وقوانينها واحترامها
للحريات ونجاحها بالتنمية،.. ونجحنا بإنتاج سلطات إبتلعت الدولة، فحولت الدولة
إلى مشروع سلطوي متمرد ومحتال على بنى ومنظومات الدولة.. فنتج لدينا دولة اللا
مجتمع، ومجتمع اللا دولة،.. دولة السلطة الإستبدادية، ومجتمع الجماعة
البدائية،.. مجتمع ودولة العصبيات والعصبويات والعصابات المدمرة للمجتمع
والمدنسة للدولة والخاطفة للوطن.
خلال العهد الملكي، لم نلحظ تأسيساً سليماً لمشروع الدولة، وبالذات لتأسيس
المجتمع السياسي المدني اللازم لإنتاج الدولة، بفعل الغياب الحقيقي للمواطنة
والديمقراطية ولمشروع التحديث المدني من حريات وصحافة ومناخات سياسية سليمة.
فالوعي والإلتزام بمشروع الدولة لم ينموا ويتكاملا كأي كائنٍ وليد منذ
الإستبيان الذي طرحه ولسن نائب الحاكم الملكي العام في العراق بتأريخ 30 تشرين
الثاني 1918م،.. بسبب الإفتقاد لمقومات النمو الذاتي من إرادة حرة وسيادة كاملة
وتشريعات عادلة ومناهج وطنية تترفع عن التمييز بين المواطنين. ورغم بعض
المحاولات التأسيسية الإيجابية في العهد الملكي.. إلاّ أنّ الدولة لم تتطور، بل
بقيت مشروعاً سلطوياً مهدداً بالأحكام العرفية وخاضعاً لتوجهات ورغائب القصر
وإرادة وهيمنة المستعمر ونفوذ البيوتات والشخصيات السياسية الفئوية الملتصقة
بالمصالح والإمتيازات.
ورغم المحاولات الوليدة في بدايات العهد الجمهوري -المؤسس للدولة العراقية
الثانية- نحو الإنطلاق بمشروع الدولة ولو بصيغها الأوّلية.. إلاّ أنَّ عسكرة
النظام وتطاحن الأحزاب وانعدام البنى المنهجية في الإرتقاء بالتحوّلات القيمية
والثقافية والمجتمعية على أساس من الخصوصية الوطنية العراقية والتي سحقت لصالح
الخصوصيات المتوهمة والإفتراضية والتلفيقية والتي أقرتها النخب والمدارس
العراقية على تنوعها.. كل ذلك أدّى إلى انسداد أفق النمو والتطوّر السياسي
للبلاد نحو مشروع حقيقي للدولة تستطيع من خلاله استيعاب وامتصاص الرّدات
الإلتفافية والإنقلابية التي أودت بحياة تلك المحاولات الناشئة.
ولعل الضربة القاصمة التي أنهت مشروع الدولة لتتحول إلى سلطة تعسفية بالمطلق..
تلك التي وجهها إنقلاب 68، إذ لم يغادر سدة الحكم إلا بنحر الدولة والسلطة
والحياة العراقية برمتها.
إنَّ أهم خطايا نظام 68 وبالذات في مرحلة الطاغية صدام حسين.. تلك المتمثلة
بإنتاجه لنظام ارتكز مثلثاً جهنمياً حصر العراق بين أضلاعه طوال35 سنة، تمثل
بالإستبداد المطلق والإرهاب المنظم والحروب المستديمة،.. فلم يقض هذا المثلث
على مشروع الدولة فحسب، بل صادر أيضاً أوليات الحياة الإنسانية من أمن وكرامة
ورفاه، وأوليات الحياة الوطنية من وحدة وسيادة واستقلال،.. ليعيد العراق إلى
عصر ما قبل الدولة بكل ما للكلمة من معنى!!
اليوم، تعيش دولتنا عهدها الثالث، في منحنى تأريخي يقل نظيره من حيث ثقل إرث
الكوارث وتحديات البناء ورهانات البقاء،.. تعيش دولتنا عهدها الثالث وسط عملية
سياسية تأن بفعل خطايا المحاصصة وأبتلاع الأحزاب للدولة وشيوع التخندقات
الطائفية،.. ووسط شيوع الإرهاب والجريمة والفساد والفوضى،.. فهل سنجتر ذات
مناهج الإستبداد والإستعباد، ونستنسخ ذات كوارث العزل والإقصاء.. بما يجذر
الفشل والخيبة؟ أم ترانا نرتقي بإنسانيتنا ووطنيتنا وننبعث لإنتاج دولة الدولة
المعبرة عن الكل والمنتمية للكل دونما تمييز أو تعسف؟ أسئلة ستجيب عنها رؤى
وإرادات القوى المجتمعية والسياسية المتصارعة الآن.
لكن وبلحاظ تعقيدات الواقع ودموية المشهد، أقول: أنّ الدولة العراقية التقليدية
في عهديها الأول والثاني لن تتكرر، وليس أمام دولتنا في عهدها الثالث سوى
طريقين: إما البقاء على وفق أسس المواطنة والديمقراطية والتعايش،.. وإما
التقسيم على وفق أسس الطائفة والعرق والمصالح الضيقة،.. وعلينا الإختيار. |