|
الدولة التي نريد.. شهدت العملية السياسية انفراجاً كبيراً على خلفية الإتفاق بين الكتل البرلمانية لتشكيل الحكومة والهيئات القيادية العليا للبلاد، وأمامنا أشواط أقسى لعل أهمها المعركة الدستورية والتي ما زالت تنتظر حسم موضوع التعديلات. وعلى أرضية الإتفاق والإختلاف بين القوى السياسية في إدارة العملية السياسية والدستورية برمتها.. فإنّ أسئلة هامة تطرح نفسها بقوة وهي تتصل بطبيعة رؤى الساسة وبرامجهم لبناء الوطن سيما وأنهم يتعاطون الآن مع المرحلة الدائمة وهي مرحلة تأسيسية في عمر عراقنا الجديد. فهل ما تم وسيتم يقوم على خلفية بناء الدولة أم بناء السلطة؟ وهل هي بداية الإنطلاق لمشروع الدولة الوطنية القافزة على المحاصصات الطائفية والعرقية والجهوية الضيقة التي صادرت المواطنة والتعايش؟ وهل ستشهد دولتنا المنتحرة والمنحورة انطلاقة حقيقية صوب استرجاع السيادة والأمن والإزدهار؟ أسئلة تبحث عن أجوبتها في ثقافتنا السياسية وضمائرنا الوطنية ونحن نتعاطى ومشروع إنتاج الدولة. تأتي أغلب إشكالات انهدام الدولة ومصادرتها من منهج الدمج بينها وبين السلطة، فغالباً ما تكون دولنا عبارة عن سلطة الفرد أو الحزب المبتلع لمكونات الدولة، الأمر الذي لا ينتج دولة متجذرة بقدر ما ينتج سلطة متحركة بتحرك رموزها ومصالحهم. أقول: إنَّ الدولة ظاهرة إجتماعية أصيلة تُنتجها الفاعلية الإنسانية التأريخية، وهي أكبر من أن تُختزل بهيئة سلطوية أو مؤسسة حاكمة، بل هي تعبير عن الناظم والضابط الكُلي المُعبِّر عن الجماعة والنظام والوطن والحكومة، فالدولة هي الناتج الكُلي الحاصل من: تماهي المجتمع المكوّن للجماعة السياسية بالقيم والقوانين المكوّنة للنظام بالإقليم المكوّن للوطن بالمؤسَّسة الإدارية المكوّنة للحكومة. وكلما تمازجت وتناغمت واتحدت هذه العناصر بعضها ببعض في الوعي والتشريع والتطبيق.. كلما أنتجت جوهراً جمعياً قادراً على التجذر والفاعلية والتطور يُسمّى الدولة، وفعل الساسة والأحزاب هنا يتصل اتصالاً مباشراً بانتاج هذا الجوهر من خلال المواطنة والديمقراطية والتحديث، وضبطه من خلال سيادة القانون والمؤسسات والشفافية والحزم.
ولعل أمثل إنموذج للدولة هي تلك المتحررة من ثقافة الدمج مع السلطة، فالدولة الحديثة القادرة على التعبير عن مكوناتها هي الدولة المتكونة من: 1: حاكمية القانون وسيادة المؤسَّسات الدستورية، فالدولة الناجحة والصالحة هي دولة القانون الضامنة للعدالة والمساواة والتكافؤ بين كافة رعاياها دونما أدنى تمييز عرقي أو طائفي أو سياسي، وهي دولة المؤسسات الشرعية المتجذرة والمنضبطة دستورياً والراعية للكل الوطني. 2: السلطة المختزَلة والحكم الكفوء، فمن غير الناجح والعملي تضخم دور الحكومة عن طريق تدخلها غير المبرر والشامل في الحياة المدنية، فالحكومة لا تعدو أن تكون سوى هيئة إدارة فعّالة وكفوءة لإدارة العملية السياسية والإقتصادية.. ولا تملك الهيمنة والتسلط على الإنسان والمجتمع بما يُصادر خصوصيتهما وفاعليتهما وإبداعهما. 3: فاعلية المجتمع المدني الأصيل والمتطوّر من خلال قوة وحركية مؤسساته الإقتصادية والسياسية والثقافية والمجتمعية، فالدولة القوية والسلطة الكفوءة إنتاج المجتمع القوي والكفوء، وخلق مجتمع كهذا رهن حركية إجتماعية خلاّقة تنتج من خلال منح الحريات الهادفة وتوسيع صلاحيات الفرد والمجتمع لممارسة سلطاتهما وتفجير طاقاتهما نحو الإبداع والتنمية والتقدم .
|