الهويات الفرعية

   يخوض العراق غمار التشكيل السياسي للدولة العراقية الجديدة، ومع هذا التشكيل برزت مؤشرات خطيرة قد تعيد إنتاج التشرذم وعدم الإستقرار على مستوى وحدة المجتمع وبقاء الدولة، منها مشكلة الهويات الفرعية.

   في البدء: يجب التأكيد على أنّ الهويات الفرعية لأي جماعة إنسانية هي طبيعية في مدياتها التكوينية، وهي جزء من صيرورة هذه الجماعة أو تلك والتي شكّلتها حركتها التأريخية. إلاّ أنّ المشكلة ليست في ذات الهوية وفي أبعادها الإنسانية وفي تعبيرها عن الجماعة المنتمية إليها، بقدر ما تكون المشكلة في تصدّرها كأساس في تكوين الجماعة السياسية أي الدولة، فالدولة هي الإطار الكلي الجامع لتنوعات المجتمع على اختلاف هويات وثقافات الجماعات الإنسانية المنضوية تحت سيادتها، والإشكالية التي ستبرز هنا تتلخص بتصدّر الخاص على العام، وببروز التعارض الهوياتي بين أنماط الهويات الفرعية التي ستحاول الهيمنة هوية الدولة ككل.. وهو ما سيخلق التصادم مع باقي الهويات الداخلة في تكوين الدولة، في حين أنّ المطلوب إيجاد التوازن بما يحقق الإعتراف والمصلحة لكافة الهويات والثقافات الداخلة في التكوين السياسي للدولة مع الحفاظ على هوية وطنية كلية تعبر عن الكل.

   لا يصح الحديث عن الدولة كجماعة إنسانية بدائية، بل هو حديث عن الجماعة السياسية وليس الجماعات الإنسانية في صور تشكلها البدائي أو الخاص. إنَّ صور التجمعات الإنسانية الطائفية والعرقية والقبلية صور أولية لا ترقى إلى اعتبارها جماعة سياسية تنتظم على أساسها الدولة في أنساقها الحديثة. على هذا الأساس سينهدم كيان الدولة فيما لو منحت الجماعات الإنسانية صفة المجتمع السياسي، ولا يمكن إنتاج المجتمع السياسي دونما هوية وطنية كلية.

   يتعذر الظفر بالدولة دون هوية وطنية جامعة، ولا يمكن الظفر بالهوية الوطنية دون الصهر السياسي لمنظومات الإنتماء والولاء للهويات الفرعية، ولا يمكن نجاح الصهر السياسي دون اعتماد المواطنة والديمقراطية والحرية والمساواة وسيادة القانون والمشاركة السياسية والتنمية... فهذه الأسس هي القاعدة اللازمة لإنتاج روح مدنية للجماعة السياسية (الدولة)، وإذا ما فشلت الدولة باعتماد هذه الأسس فالإنهدام للروح الكلية والشخصية السياسية الجماعية ستكون هي المحصلة الحتمية، وبالنتيجة ستتصدر الهويات الفرعية المشهد العام وتكون هي المعبرة عن الذات والدور الفردي والجماعي، فبغياب المشترك يبرز الخاص، وعندها لا مبرر أساساً لوجود المشترك، فتنحط الدولة ويتشرذم المجتمع.

   تخوفنا يكمن في طغيان الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية،.. وهو ما قادنا وسيقودنا لإنشاء كانتونات طائفية وعرقية ومناطقية منغلقة، وهي مقدمة إما إلى التقسيم، وإما إلى إنشاء دولة الدويلات المتعارضة في الرؤية والمصلحة، دويلات متكثرة في جسد الدولة.. دويلات تعتاش على أرضية التنازع والإحتراب دفاعاً عن مصالحها المؤسسة على الهويات الضيقة.

   صناعة هويتنا الوطنية من أنبل مهامنا الـاريخية،.. فهل سنستجيب للتحدي لنتلمس إنسانيتنا ونتحسس مواطنيتنا وننهي عذاباتنا؟