|
الحصن الأخير..
المتتبع لمسار العملية السياسية يدرك أن مبادرة السيد المالكي للمصالحة والوفاق الوطني تعتبر الحصن الأخير أمام أعلان عجز العملية السياسية في توفير متطلبات بناء المجتمع والدولة. إذ لو فشلت أو أفشلت هذه المبادرة في حلحلة الواقع العراقي المحتقن والمأزوم.. فإنّ ذلك سيقود إلى تكريس الإنقسام المجتمعي والسياسي، وسيرسخ نظام العنف والفوضى، وسيؤسس لمديات جديدة من التيه على مستوى هوية وكيان المجتمع والدولة. لاشك أن هناك كارثة نوعية شاملة حلت بإنساننا ومجتمعنا ووطننا،.. ولاشك أيضاً أنها من مخلفات عهد الإستبداد والمسخ الذي ورثناه من النظام الصدامي،.. ولا شك أيضاً أنها من آثار الدور التخريبي لمجموعات الموت والجريمة،.. ولكن مما لاشك فيه أيضاً أن العملية السياسية ذاتها قد ساعدت في توطين الكارثة وترسيخها وشرعنتها بعد أن احتكمت إلى مباديء المحاصصة الطائفية والعرقية على حساب المواطنة، وأنشأت تخندقات عصبية وعصبوية على حساب وحدة المجتمع، وأقامت جبهات حزبية مؤسسة على الولاءات الضيقة بدل الولاء الوطني، وبعد أن أفرزت أداءً متواضعاً لمعظم المتصدين للعملية السياسية امتاز بالقصور والتقصير تجاه ملفات السيادة والتعايش والخدمات،.. فواقع الممارسة السياسية للعديد من الشخصيات والقوى امتاز بالمراهقة والشخصنة والمغامرة في تعاطيهم مع عملية إعادة بناء المجتمع والدولة.. يسوق العديد منهم حمى الصرعات حول السلطة والثروة على حساب المصالح العليا،.. فخطيئة المباديء وأخطاء القادة لم تساعد في اجتثاث الموروث الكارثي ولم تُفشل مخططات المناوئين ولم تعط انموذجاً مشرقاً. استناداً إلى ذلك، ولحجم التحدي الخطير الذي يهدد وجودنا وكينونتنا ومصيرنا،.. يجب عدم وأد أو تقزيم مبادرة المصالحة والوفاق الوطني، بل يجب أن تمتد لتطال كافة الملفات والدوائر داخل وخارج السلطة بما يتناسب وحجم الكارثة التي طالت كافة مقومات المجتمع والدولة،.. لتكن المبادرة فاتحة لعهد جديد يعيد إنتاج العملية السياسية برمتها كأسس ومباديء وسياسات وآليات، أن تكون مشروعاً وطنياً يعمل داخل نفوس وضمائر كافة القادة، وداخل أطر كافة القوى والشرائح والمكونات،.. فالكارثة الحالية لم ولن تسثن أحداً، ولن يتم عزل مجموعات الموت والفوضى والفساد دون جهد وطني متكامل يتوافر له مقومات سليمة لبناء الدولة وسياسات صائبة تدير العملية السياسية وقادة وطنيين يرتفعون عن أطرهم الضيقة ومصالحهم الخاصة. أطراف العملية السياسية من شخصيات وأحزاب وكتل.. أمام تحد مصيري لا يطال وطنيتها وقدرتها على قيادة البلاد فحسب بل يتصل أيضاً بوجودها كقوى قادت البلاد إلى السمو أو الهاوية،.. وهذا وذاك يتوقف على إدراكها لعمق وخطورة الأزمة الحالية ومديات الكارثة التي ستحل فيما لو ساد العجز والفشل في إخراج العراق من واقعه الماساوي،.. هذا الواقع الذي لم يعد يستطع الصمود طويلاً وسط انعدام الخدمات وتطاول الجريمة وشيوع الفساد. مبادرة المصالحة والوفاق الوطني حصن أخير للدفاع عن كيان ووجود المجتمع والدولة،.. وفيما لو أجهضت أو أسقطت، فلا بديل عن إعادة النظر بمجمل العملية السياسية وقادتها، ولتفتح الباب أمام سيناريوات جديدة،.. وهذا هو حكم التأريخ.
|