|
العراق بين تشظي الأزمة وإرادة الحل حسين درويش العادلي
*أربعة عوامل تزيد من تشظي الأزمة العراقية: كونية القضية العراقية، التوازن السلبي بين القوى السياسية، الإنشقاقات الإجتماعية الكبرى، تمركز الإرهاب الدولي.
*العراق يخطو سريعاً باتجاه حلول التجزئة والتقسيم أو الإحتراب والفوضى رغم الجهود المضنية التي تمارسها سلطات البلاد والقوى الوطنية التي تحاول وقف تداعيات التدهور السياسي والأمني والخدمي.
* سر الأزمة بين الفرقاء العراقيين يتمحور حول (السلطة والثروة)، فهما كلمة السر التي يتوقف على فك رموزها توازن الدولة وانخراط قواها السياسية في فض اشتباكاتها الحالية، وهو ما يجب الإنتباه إليه والعمل وفق استحقاقاته.
*أسلوب إدارة الدولة يجب أن يميل نحو الحسم على أساس من احتكار القوة وتوظيفها القانوني دون مراعاة هذا أو ذاك، وبالذات في معالجة ملفات الفساد والجريمة والفوضى التي تنخرجسد الدولة.
*ضرورة شراء بعض الدول نفطياً، وردع الدول الأخرى سياسياً وأمنياً وإعلامياً بإثارة المتاعب لها على مختلف الأصعدة للحد من تدخلاتها، والتحرك ضد بعض الدول بتوظيف الدعم الدولي الذي يحظى به العراق للضغط الدبلوماسي والمصالحي عليها.
تزداد الأزمة العراقية تشظياً، ويعود هذا التشظي إلى عوامل عدة، منها:
أولاً: كونية الأزمة العراقية من حيث تعقيد وتشعب وتداخل ملفاتها داخلياً وإقليمياً ودولياً، فطبيعة الأزمة العراقية فاقت الأزمات الفلسطينية واللبنانية في شدة تعقيدها وتشظي ملفاتها وصعوبة وضعها تحت السيطرة والتحكم، بسبب صراع الإرادات وتضارب الأجندة المحلية والإقليمية والدولية التي جعلت من العراق الهدف الأسهل لبوصلة مصالحها. ثانياً: التوازن السلبي بين القوى السياسية المنتجة للقرار السياسي على مستوى الدولة، فقد أنتج هذا التوازن فقدان عامل الحسم في إدارة الأزمات وحسمها، وقد ساعد في ذلك قانون إدارة الدولة والإتفاقات التوافقية بين الكتل السياسية ونتائج عملية المحاصصة التي عطلت الحياة السياسية وانسيابيتها، هذا الواقع جعل من الحسم أمراً بعيد المنال وبالذات تجاه إدارة وتوجيه الملفات الساخنة السياسية والأمنية والخدمية. ثالثاً: الإنشقاقات الإجتماعية الكبرى التي يشهدها العراق لأسباب طائفية وعرقية وسياسية والتي عمل لها بقايا النظام المباد ومراكز الإرهاب وقوى الجريمة وبؤر التخلف، مما أنتج تعطيل وتحييد دور الشعب في حسم التداعيات على أكثر من صعيد. رابعاً: تمركز الإرهاب في العراق كقوة تعطيل وتخريب للبديل السياسي والحضاري المراد إنتاجه بعد التاسع من نيسان 2003، فالإرهاب أعقد من كونه تمركز لجماعات تكفيرية هنا وهناك، بقدر ما هو استراتيجية محكمة تغذيها ثلاثة عوامل لإفشال التجربة العراقية، وهي: حواضن الإرهاب الإقليمية والدولية المنتجة للفتوى والتنظيمات، والمؤسسات الدينية والعلمانية المحلية والإقليمية على حد سواء، المال والإعلام المضاد.
على خلفية هذه الأزمات وتشظيها وتكاثرها الأميبي تحاول مراكز القرار الحكومي في العراق ضبط إيقاع الأزمة العراقية وتوجيهها بما يؤكد فعل الدولة وتجذر خطها وسياستها، والشواهد على ذلك إقرار خطة فرض القانون ومشروع المصالحة والتحركات الإقليمية والدولية والتوجيه بحل معضلة الخدمات التي تفترس الإنسان والدولة،.. في مسعى لوقف مسلسل التدهور والحد من تشظي المتشظي من الملفات، وهي مساع تشهد نجاح هنا وإخفاقات هناك وسط تحد نوعي لا يستهان به.
على أساس من هذا التحدي الكوني، تبرز الحاجة لإدارة نوعية لملفات الأزمة العراقية، على أنّ إدارة الأزمة –أية أزمة- تتطلب وعياً دقيقاً لمكوناتها، وتخطيطاً على مستوى تعقيدها وتشعبها، ومركزية في توجيهها، ودينامكية فاعلة في تنفيذها،.. وهنا يرى بعض الساسة أن هكذا نوع من الإدارة يفتقده الواقع العراقي لأسباب عدة، منها: تضارب رؤى وإرادات فرقاء العملية السياسية ذاتها وعدم تضامنيتهم في أكثر من ملف وتحدي يواجه مهمة إدارة ملفات الدولة، وأيضاً إغراق الواقع بالفساد والجريمة والفوضى لشل قدرة المؤسسات على إدارة الملفات والحد من تداعياتها، وافتقاد التخصص والمهنية والنزاهة لأكثر من إدارة في مفاصل الدولة، والتداخل المفضي إلى الفوضى في توجيه دفة القرار أياً كان، وفقدان المركزية على مستوى القرار والتنفيذ، وإفشال محاولات الإصلاح أو الحسم من داخل أطر الدولة على يد بعض القوى السياسية المشتركة في مؤسسات الحكم، ومحاولة تعويم الإتفاقات والتوافقات المتفق عليها لإدارة الدولة مما يشل تنظيم الواقع وتوجيهه، وسعي بعض القوى السياسية إلى تدول الأزمات دوماً من خلال ربطها بالقوى الدولية والإقليمية كلياً.
إدارة الأزمة العراقية يقتضي توافر إرادة الحل لدى أطراف الأزمة العراقية أولاً، ولدى القوى الإقليمية والدولية المرتبطة بشأن العراقي، وما لم تحسم هذه الإرادات خياراتها أو تُردع فلن تشهد الأزمة العراقية ناهايتها السلمية داخلياً وخارجياً.
إرادة الحل بيد مَن، وكيف السبيل إليها، وقبل كل ذلك ما هو الحل المستهدف لدى هذا الفريق أو ذاك وهذه القوة أو تلك؟ أسئلة تتوقف نتائج الأزمة على طبيعة أجوبتها على صعيد الرؤى والسياسات.
يؤكد الواقع كل صيغة حل للأزمة العراقية لها أجندتها والقوى التي تقف خلفها، فهناك حل التقسيم للمجتمع والدولة على أساس دويلات طائفية وعرقية كحل للتناقض المجتمعي والسياسي الحالي، وهناك حل الدولة الموحدة التي تستعيد وحدة المجتمع والدولة على وفق معايير المواطنة والديمقراطية والفدرالية وعدالة السلطة والثروة، وهناك حل دولة اللا دولة التي تتماسك قشرياً بينما الفوضى والإضطرابات والإنقسامات والحروب تفترس كيانها الداخلي،... فهذه الحلول هي صيرورات تعمل لإنضاجها أطراف داخلية وخارجية بحسب منطق مصالحها الآنية والإستراتيجية. من هنا فإنّ الحل بيد كافة أطراف الأزمة مع أولوية الأطراف العراقية إذا ما حسمت خياراتها باتجاه أي من الحلول المطروحة.
يرى المختصون، أنّ العراق يخطو سريعاً باتجاه حلول التجزئة والتقسيم أو الإحتراب والفوضى رغم الجهود المضنية التي تمارسها سلطات البلاد والقوى الوطنية التي تحاول وقف تداعيات التدهور السياسي والأمني والخدمي،.. ويجمعون بأنّ السبيل إلى حل الأزمة على أساس وحدة المجتمع والدولة وبما ينتشل العراق من واقع الكارثة ويخطو به بعيداً عن حلول التجزئة والتقسيم أو الصوملة واللبنة والأفغنة، هو بيد العراقيين أنفسهم فيما لو حسمت الخيارات وتحققت مصالح أطراف الأزمة ذاتها. وهنا تبرز أهمية تفعيل الإصلاحات الدستورية وتخطي عقبات الوحدة السياسية والإجتماعية بتحالفات سياسية وطنية وبقرارات حاسمة تنتج عن اتفاقات كبرى على أرضية التنازل المتقابل وتضامنية الأطراف وتحقيق مصالح الجميع مع تعهدات ضبط الواقع الخاضع لهذه القوة أو تلك. ويؤكد البعض أن سر الأزمة بين الفرقاء العراقيين يتمحور حول (السلطة والثروة)، فهما كلمة السر التي يتوقف على فك رموزها توازن الدولة وانخراط قواها السياسية في فض اشتباكاتها الحالية، وهو ما يجب الإنتباه إليه والعمل وفق استحقاقاته. كما يجمع المراقبون أن التكتلات السياسية الحالية لا يمكنها حلحلة ملفات البلاد وحسمها جراء المحاصصة التي أدت إلى إنقسام السلطة وليس إلى تقاسمها، وهنا فتفتيت التكتلات السياسية الكبرى وإعادة صياغتها على وفق الأسس الوطنية هو أهم عامل حاسم في ترجيح خيار وحدة المجتمع والدولة، مع توسيع قاعدة المشاركة في الحكم وتفعيل منظومات العمل المدني والإعلامي الوطني. كما أنّ أسلوب إدارة الدولة يجب أن يميل نحو الحسم على أساس من احتكار القوة وتوظيفها القانوني دون مراعاة هذا أو ذاك، وبالذات في معالجة ملفات الفساد والجريمة والفوضى التي تنخرجسد الدولة، وهنا فإعادة تشكيل مراكز القرار على أساس خليات الأزمة المخولة بالقرار والتنفيذ يعتبر حاسماً لوقف مسلسل الترهل والتشظي.
إقليمياً، تبرز ضرورة تفعيل سياسة جديدة لتفكيك المواقف الإقليمية الداخلة في عمق إنتاج الأزمة العراقية والتي تعيق الحلول أو تشارك في إنتاج الأزمات، وهنا يرى البعض ضرورة شراء بعض الدول نفطياً، وردع الدول الأخرى سياسياً وأمنياً وإعلامياً بإثارة المتاعب لها على مختلف الأصعدة للحد من تدخلاتها، والتحرك ضد بعض الدول بتوظيف الدعم الدولي الذي يحظى به العراق للضغط الدبلوماسي والمصالحي عليها، ويرى بعض المهتمين بالشأن العراقي ضرورة تشكيل محاور إقليمية ودولية تحمي العراقي وتقوي جبهته تجاه المحاور الإقليمية والدولية التي تسعى لإعاقة مسيرته الجديدة.
|