القوى السياسية ومهام بناء الدولة

 

حسين درويش العادلي

 

   تطورت الدولة بتطور السلطة، وتطورت السلطة بتطور القوى السياسية، وتطورت القوى السياسية عندما تحولت إلى وحدات سياسية صرفة، وتطورت الوحدات السياسية عندما تبنت الثقافة السياسية المدنية في إدارة السلطة والدولة، والوصول إلى المدنية كان نتاجاً لإعتماد القوى السياسية على المواطنة والديمقراطية والتعددية والحوار والسلم والنقد والتجديد لإنتاج التطور السياسي،.. إنّ التطور السياسي حركة تأريخية تصاعدية أنتجت الدولة الحديثة المتطورة.

   مشكلة الدولة والسلطة لدينا أنها ما زالت رهن الأطر التقليدية الراكدة، بسبب عدم تطور القوى السياسية ذاتها،.. فأغلب القوى المتصدية لفعل الدولة ومهام السلطة ما زالت رهينة الثقافة السياسية الجهوية الضيقة على صعيد وعيها التأريخي وخطابها وبرامجها وسياساتها الميدانية،.. ما زالت كيانات عائلية أو عشائرية أو عرقية أو طائفية.. في حين أن المطلوب منها أن تكون وطنية تُعنى بالعام والجامع والمشترك، وهنا فهي تعيش ازمة الإنغلاق على الذات، وبعد لم تنجز ذاتها على وفق شروط الإنتاج الوطني الذي يؤهلها لإدارة المصالح الوطنية العامة،.. كما أنّ اعتمادها التشكيل والولاء الجهوي الضيق أفقدها القدرة على تنهيض أسس بناء الدولة من مواطنة وديمقراطية وتعايش.

   أغلب القوى السياسية اليوم، قوى إيديولوجية متماهية مع العقيدة، أكثر من كونها قوى سياسية تعتمد برامج سياسية براغماتية مندكة بشروط إنتاج الواقع المعقد والمتحرك والملتهب،.. أغلبها قوى هيمنة في رسم خارطة النفوذ داخل أطر المجتمع والدولة،.. والأهم من ذلك كله، أنها قوى هويات وثقافات فرعية لم تستطع تجاوز تخوم الطائفة والعرق والقبيلة والحزب لإنتاج هوية وطنية عراقية تسمو على العصبيات والعصبويات التأريخية والراهنة.

   لإنتاج الدولة وتحقيق السلم والتعايش والتنمية، يجب أن تتطور القوى السياسية ذاتها، أن يتطور وعيها وبرامجها وسياساتها وتعاونها المشترك بما يحقق وحدة شكل الدولة وهويتها،.. ولا يمكن إدراك وحدة الدولة وسلامة السلطات مع التنازع القيمي والمصالحي بين القوى السياسية،.. الدولة وحدة متكاملة لا تحتمل الإنشطار الذاتي المتأتي من تنازع القوى السياسية المعنية بشكل وفعل الدولة.

   العراق على مفترق طرق، ومحنة انهدام الدولة توجب على القوى السياسية الإرتفاع لمستوى المسؤولية التأريخية في الوعي والإنتماء والولاء والإندكاك بالمصالح العليا،.. ليس هناك متسعاً من الوقت أمام هذا الكم الهائل من مخلفات الإستبداد وطغيان الإرهاب وشيوع الفساد والجريمة والفوضى.