|
المجتمع السياسي
تحتاج الدولة حدوثاً وبقاءً إلى رؤية فلسفية قيمية واقعية غير افتراضية أو واهمة أو زائفة أو طوبائية،.. وتحتاج إلى سياقات دستورية وقانونية ومؤسساتية لا تعرف التداخل بين سلطاتها واختصاصاتها،.. وتحتاج إلى نخب وطنية قادرة على الإلتزام والإلزام بفعل واستحقاقات الدولة،.. وتحتاج إلى مواطنية فاعلة وناقدة وثائرة على أية خروقات أو مصادرة أو حجر،.. وتحتاج إلى منظومة حقوق وواجبات تضبط إيقاع والأداء للحاكم والمحكوم،.. وتحتاج إلى خطاب وشرعية وتنمية،.. وتحتاج وتحتاج،... ولكن في عمق احتياجها في مراحل التكوين والنمو والتطور.. تحتاج قبل أي شىء إلى مجتمع سياسي. تتشكل الجماعة البشرية عندما تنشأ علاقات بين الأفراد بغض النظر عن نوع العلاقة نسبية أو عرقية أو دينية، وهي صورة أولية للمجتمع الإنساني. ويتشكل المجتمع عندما تنشأ الحاجة إلى إدارة العلاقات مصلحةً أو خلافاً، وهي صورة أرقى للمجتمع الإنساني. ويتشكل المجتمع المدني عندما يتطور الوعي والأداء الجمعي على شكل أداء طوعي فعّال،.. ويتشكل المجتمع السياسي عندما تنشا الحاجة إلى السلطة، وتشتد حاجة السلطة إلى التكامل كدولة،.. فتنامي الحاجة للدولة كوظيفة ودور يحول المجتمع إلى مجتمع سياسي على طريقة المجتمع الذي يحكم نفسه بنفسه. لا يجد الفرد نفسه إلاّ في الجماعة الإنسانية، على أنّ المجتمع الإنساني أعلى مرتبة من الجماعة الإنسانية، والمجتمع المدني أعلى مرتبة من المجتمع الإنساني، والمجتمع السياسي أعلى مراتب التطور المجتمعي في الرابطة والوعي والأداء، فرابطته الأساس المواطنة، وجوهر وعيه المواطنية، وأداؤه ديمقراطي فعال ومسؤول ومسالم. المجتمع السياسي شرط وجودي لنشوء وبقاء الدولة، هو مادة الدولة وجوهرها والوّلاد لها، وهو مجتمع الإختيار والقانون، لا مجتمع القوة والإستبداد، إذ لا يتأسس على الغريزة والخوف بل يقوم على الحرية المُنتجة للإرادة والإختيار، والقانون المُنتج للنظام والإنتظام،.. لذا فهو عماد الدولة الحديثة. يتأسس المجتمع السياسيّ على أساس المواطنة والديمقراطية والتعايش، المواطنة كلازم لتشكيل الجماعة السياسية بعيداً عن الروابط العرقية أو الطائفية أو الجهوية الممثلة للهويات الفرعية، والديمقراطية كلازم لإنتاج السلطات وإدارة الخلاف والمصالح، والتعايش كلازم لقبول الآخر وحقه الإنساني والوطني دونما تمييز أو إقصاء. والعلاقة بين االمجتمع السياسي والدولة هنا علاقة تبادلية وتضامنية لتعزيز التوزان في الدور والوظيفة بينهما. مع إرهاصات إعادة بناء دولتنا التي هدتها المحن والكوارث،.. أقول: كي نؤسس دولة يجب أن نخلق مجتمعاً سياسياً، لا أن نسجن مجتمعنا وراء أسوار التجمعات والجماعات البدائية التقليدية انتماءً وولاءً ووظيفة. رؤانا وبرامجنا ونخبنا أمام تحد تأريخي،.. فمالم نخلق مجتمعاً سياسياً متحرراً من ثقافة العرق والطائفة والقبيلة والمنطقة والحزب.. فلن تبقى جماعة، ولن يتوحد مجتمع، ولن تتماسك دولة.
|