المشاركة

 

   لا ديمقراطية دون مشاركة المواطنين في شؤون الحكم والسلطة، فالمشاركة الحقيقية والدائمة من أهم أعمدة النظام الديمقراطي الذي يؤمن بالإنسان كقيمة ودور ورسالة، ويؤمن بالأمّة كوجود وإرادة واختيار. وأيضاً فالمشاركة من أهم استحقاقات المواطنة، وبانتفائها لا يكون للمواطنة من معنى، ولا تعدو أن تكون السلطة عندها سوى قوة استغفال أو استعباد لرعايا الدولة. 

   إنَّ المشاركة تعني الحضور والدور والمساهمة الحرة الحقيقية في تقرير شؤوننا في ظل دولة القانون والمؤسسات، وتعني تفعيل الوجود الإنساني والوطني وتأصيله بما ينافي أية مصادرة وحجر على كينونتنا الإنسانية الرافضة للإستعباد، وعلى دورنا الوطني الرافض للتدّجين.

   ولخلق وتفعيل المشاركة على تنوعها السياسي والإقتصادي والإجتماعي لابد وأن تتوافر دعائم المساواة والتكافؤ والحرية والمساءلة والفرص المتساوية لتمكين الناس من صنع قراراتهم من خلال مشاركتهم الفعلية في اتخاذ القرار على أرضية المجتمع الديمقراطي المنفتح.

   إنَّ المشاركة تضمن تقدم الدولة والمجتمع معا،ً باعتبارها وسيلة وغاية في ذات الوقت، فهي وسيلة لتنمية المجتمع وقدراته من خلال تفعيل ملكاته الذاتية في صنع الواقع السياسي والإقتصادي والإجتماعي، وغاية أيضاً إذ تحقق تماسك الدولة والولاء لها والمساهمة في نهضتها من خلال الإسهام في مشاريعها وبرامجها وسياساتها.

   إنَّ إدارة الناجحة للحكم مرتبطة بنوع ودرجة المشاركة الممنوحة للأفراد والجماعات لتحقيق ذواتهم وتجسيد إرادتهم وإبداعاتهم في الحياة على تنوع حقولها، لذا نجد أنَّ المجتمعات القائمة على ثقافة المشاركة من أكثر المجتمعات تقدماً، على العكس من المجتمعات القائمة على ثقافة الإستغفال أو الإقصاء أو الإستبداد الفردي والن خبوي والرافضة للمشاركة المتبادلة في صنع القرار وإنجاز النهوض الإنساني والوطني،.. وتقدر بعض تقاير التنمية البشرية أنَّ أكثر من 80% من سكان العالم يعجزون عن فرض أي تأثير حقيقي على الأداء الإقتصادي والسياسي للمجتمعات التي يعيشون فيها بسبب انتفاء المشاركة كمبدأ سياسي فعال، ولعل أكثر الفئات التي يتم عزلها عن المشاركة تتمثل بالفقراء والنساء والأطفال والأقليات الدينية والإثنية وسكان الريف والمعوقين.

   إنَّ إحدى جوانب الحل للمأزق الأمني والسياسي والتنموي للمجتمعات المتأخرة يكمن في خلق وتدعيم المشاركة لكافة أفراد المجتمع، وهنا فإسلوب إدارة الدولة والحكم يجب أن يعتمد الإجراءات الممهدة لخلق فرص المشاركة الفردية والجماعية من منح للحريات وإجراء للمساواة وتطبيق متكافيء للفرص وباندكاك أصحاب القرار بالجمهور، وهو ما سيخلق وحدة نوعية بين مكونات الدولة ويعزز من قدراتها وتطوّرها.

   أقول هذا كي أؤكد على أهمية تفعيل مبدأ المشاركة في صنع القدر الوطني،.. وأتساءل: كم من نوابنا المنتخبين يعي أهمية المشاركة كمبدأ سياسي وآلية عمل تضمن تطور المجتمع والدولة معاً؟ وكم من المنتَخبين نزلوا لساحة الجمهور الذي انتخبهم كي يتعاطوا معهم شؤون الحكم والسلطة والتشريع؟ وكم من القرارات والتشريعات كان للجمهور نصيب في إصدارها من خلال استطلاع آرائهم وآمالهم؟ وهل يتم مشاركة الأمة في القرارات التي تهم حاضرها ومستقبلها؟