التعديلات الدستورية.. أزمة

 

   في مناسبات عدة، ذكرت: بأنّ ما نشهده من تجاذبات سياسية وتداعيات أمنية وتداخلات وتدخلات إقليمية ودولية.. ما هي سوى إنعكاس لحرب هويات تتصارع على شكل العراق المراد إنتاجه بعد التاسع من نيسان،.. نظامه السياسي والإقتصادي، فضاؤه الجيوسياسي، منظومته القيمية.. شكل دولته دينية أم قومية أم وطنية... فهذه وتلك هي مادة الصراع وأجندته الداخلة في عمق إنتاج هويته الجديدة،.. وهذه وتلك هي جوهر الخلاف حول التعديلات الدستورية.

   التعديلات الدستورية أزمة.. وما لم تحسن القوى السياسية إدارة أزمة إنتاج الدستور، فلا يمكن التكهن بمسار العملية السياسية ومآلات الواقع العراقي بكل ملفاته العالقة.

   الدستور الأساس الأول المنتج للهوية والنظام، وعلى وفق خطوطه ومرتسماته تتشكل الدولة،.. فهو ليس عقداً سياسياً تمليه قوى تريد العمل خارج نسق التأريخ والواقع، بقدر ما هو عقد اجتماعي تتماهى فيه ومن خلاله رؤى وطموحات مكونات الدولة،.. لذا فمن الخطأ شد الدستور لمناورات سياسية زمنية مصلحية لهذه القوة أو تلك،.. المطلوب صياغته كعقد اجتماعي وطني تضامني معبر عن الجميع ليصدق على الجميع.

   والدستور رهان مستقبل، فعلى القوى أن تتحرر من راهنية اللحظة التأريخية، وعدم الإستسلام لها، فلحظة العراق الراهنة لحظة مأزومة متشنجة يتوزعها الخوف والارتهان وفقدان الثقة، ولا يمكن تأسيس المستقبل على وفق إرهاصاتها.

   والدستور وثيقة تعايش وسلام، فعلى القوى وعي استحقاقاتها من تنازل ووسطية واعتدال في الرؤى والمطالب، وإذا ما ساد التأزم والإنغلاق وتغليب المصالح الخاصة.. فسينهدم الإجتماع وتتشتت الدولة.

   والدستور مؤسس لصيرورة الإنتماء والولاء الوطني من خلال روحه ومقاصده، لذا يجب الإرتفاع به عن صيرورات الهويات الضيقة والولاءات المشتتة. هو ليس تكدس انتماءات وولاءات متناشزة، بل هو المشترك بين الهويات والانتماءات، والمؤسس لهوية وطنية جامعة.

   والدستور قاعدة لتطور مجتمعي سياسي مدني، يؤسس لانصهار سياسي يرتفع بالمواطن ويرتقي بالإنسان والدولة،.. لذا لا يحتمل الانشطار والتباين.

   التعديلات الدستورية.. امتحان تأريخي نخوض غماره اليوم، فإما أن ننتج دستوراً وطنياً يضمن وحدة ورقيّ المجتمع والدولة، وإما أن نستسلم لقدر التشتت والتجزئة.