الأزمة

   يمر العراق بأزمة خطيرة على مستوى هوية ونظام ووجود المجتمع والدولة،.. والخطورة نتاج عدة من العوامل التأريخية والراهنة، منها:

   أولاً: فشل مشروع الدولة الوطنية، بسبب الفشل بإنتاج المجتمع كجماعة إنسانية، والفشل بإنتاج الدولة كجماعة سياسية. يعود هذا الفشل بالدرجة الأساس لفشل المدارس البنيوية (العقائدية السياسية) المتعاقبة على حكم العراق، فشلها بإنتاج الدولة كمؤسسة سياسية وطنية، وهو فشل بنيوي حطّم مرتكزات بناء الدولة وحوّلها إلى مجرد سلطة متفرعنة على المستوى السياسي، وإلى مجرد جماعات متناحرة على المستوى الإجتماعي، وإلى مجرد عصبيات وعصبويات منغلقة على المستوى الثقافي،.. والسبب هو إقصاء المواطنة كوحدة بناء وولاء للجماعة السياسية المشكّلة للدولة، الأمر الذي أدى إلى فشل تماسك الجماعة السياسية من خلال إرتاد المواطنين إلى هوياتهم الطائفية والعرقية الضيقة،.. وهو ما أدى إلى إحياء الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الكلية. إن فشل الدولة كجماعة سياسية تعتمد المواطنة والديمقراطية والتنمية أدى إلى القضاء على المجتمع كجماعة إنسانية وتحوّله إلى جماعات ومجموعات. إنّ انهدام وتشيء المجتمع بشقيه الإنساني والسياسي، لا يقضي فقط على الدولة كجماعة سياسية، بل على المجتمع أيضاً كجماعة إنسانية،.. وستكون المحصلة خلق مجتمع اللا دولة ودولة اللا مجتمع.

   ثانيا: تضارب رؤى وإرادات ومشاريع إعادة إنتاج المجتمع والدولة، إذ   صاحب وما زال عملية سقوط الدكتاتورية في 2003 تضارباً مريعاً في رؤى وإرادات ومشاريع إعادة إنتاج المجتمع والدولة هويةً ونظاما، على مستوى فرقاء العملية السياسية ومَن هم خارجها، وعلى مستوى رؤى ومشاريع الدول ذات الصلة والتأثير على الواقع العراقي،.. ولأسباب عديدة: تأريخية وراهنة، ذاتية وموضوعية، وطنية وخارجية، ناجمة عن أخطاء أو خطايا، عن وعي أو جهل،.. نتج لدينا تضارباً وتناقضاً مريعاً جراء حرب الرؤى وصراع الإرادات وتناطح المشاريع،.. وما نعيشه هو دليل تزاحم القوى وصراع الأجندات في إعادة بناء العراق. لا يمكن للمجتمع التوحد والإستقرار ولا يمكن للدولة التماسك والبقاء فيما لو افتقدا وحدة التصور وتناغم الإرادة للبدء بمشاريع البناء السياسي والإجتماعي والإقتصادي والثقافي،.. وبالتبع لا يمكن الحديث عن هوية الدولة وشكل النظام وطبيعة المجتمع مع فقدان وحدة التصور والإرادة.

   ثالثاً: إنعدام أو ضعف الحواضن الأساس لإعادة إنتاج المجتمع والدولة من بنى اقتصادية وخدمات وأمن. إذ لا يمكن الحديث عن أي إعادة لإنتاج المجتمع والدولة وسط انهيار النظام الإقتصادي والخدماتي وافتقاد أرضية الأمن بمعناه الإنساني الشامل. للدولة ثلاث وظائف أساسية لنجاحها: الإعتراف بمواطنيها على قدم المساواة، والحماية لهم من خلال احتكارها للقوة، وتوفير الخدمات على تنوعها،.. وفيما لو فشلت الدولة بأي من وظائفها فلن تتماسك. كما ليس للمجتمع من البقاء والتكامل فيما لو انهارت منظومات الإقتصاد والخدمات والأمن التي بها ومن خلالها تقوم وتتقوم الحياة على تنوعها.

   رابعاً: تدويل القضية العراقية وتداخلها المريع مع ملفات المنطقة والعالم، فالإرادة الوطنية جزء من منظومة الإرادات المفروضة على الواقع العراقي، وخطورة وتعقيد الملفات الوطنية يصاحبه وبقوة خطورة وتعقيد ملفات المنطقة والعالم في الرؤى والسياسات.

    تتظافر هذه العوامل وما تفرزه من استحقاقات لخلق الأزمة ليس وطنياً فحسب بل إقليمياً ودولياً. وتزداد الخطورة مع تكاثر الأزمات وتعقيدها بسبب التقادم والتراكم وقصور الرؤية وسوء الإدارة والإستهانة بمدياتها الكارثية.

   على القوى والنخب الوطنية كافة إدراك حجم الأزمة وخطورتها على المجتمع والدولة، وعلى هذا الإدراك أن يتجسد وعياً وتخطيطاً وإدارةً وانضباطاً وطنياً عالياً،.. ليس لنا فسحة من الوقت، وليس بيدنا الكثير من الخيارات.