الإفتتاحية  

العنف واشكالية التأويل العقائدي

حسين درويش العادلي

 

   يجتاحنا العنف ليقتلع من ربوعنا الأمان والحب والتسامح، وها هي لواقح الفتن تهد بناءات المجتمع والدولة بفعل العنف المؤسس على فساد العقيدة أو فساد تأويلاتها.

   لا يمكن تحرير الحياة من العقيدة أياً كانت وضعية أم سماوية، فما يميز الإنسان دوماً أنه كائن عقائدي مسبب ومعلل لأفعاله على اختلاف عقائده وايديولوجياته،.. نعم هناك عقائد منتجة للتسامح، وأخرى منتجة للعنف كونها تؤسس على احتكار الحقيقة ولا تعترف بالآخر ولا مكان فيها للتعددية واحترام المخالف عقيدةً أو رأياً أو سلوكا،.. ولكن تكون المصيبة أعظم عندما يتم تشويه العقائد المنتجة للتسامح بفعل التأويل الخاطيء والفاسد، كما يحدث للإسلام الحنيف.

   أقول: لا مصداقية للقول القائل بأنّ العقيدة الإسلامية تؤسس للعنف، استناداً إلى أنّ العنف المنتج إسلامي الماركة،.. فالإسلام أسس عقيدته على الإختيار(مَن شاء فليؤمن، ومَن شاء فليكفر)، وهو القائل ( قل كل يعمل على شاكلته)، إذ ( لإ إكراه في الدين)، وهو المقرر (فإذا الذي بينك وبينه عداوة فكأنه ولي حميم)،.. ولكن تبقى الإشكالية في التأويل، في قراءة وامتثال النص المقدس،.. التأويل هو المنتج لاحتكار الحقيقة والإقصاء والرفض للآخر، هو المؤسس للعزل والتصادم بين آحاد وجماعات الجنس البشري.

   أخطر ما في التأويل الفاسد مصادرته لسماحة العقيدة وللسلام بين البشر، أخطر ما فيه توظيف نتائجه لحل التناقضات الإجتماعية والسياسية على أساس من المقدس، وتأسيس الحاضر على أساس إسقاطات التأريخ وتناقضاته،.. مشكلة التأويل غير المتقيد بالأصول الثابتة للمقدس أنه يتوالد على أساس الحوادث والقراءات والفضاءات والنزاعات البشرية.. ليحاول إضفاء المقدس عليها، فيتم تبرير العنف بحق الآخر.

   تزداد وتيرة العنف على أساس من تأويل العقيدة في مراحل تكوين الأمم والدول، فهناك تنشيط خفي ومحموم لكسب الإمتياز على أساس من الشرعية، فيتم توظيف الدين كأداة في معركة الفرز بين الحق والباطل، الإيمان والكفر... وهنا يتم لوي عنق الحقائق الدينية على وفق تأويلات هذا الفريق أو ذاك،.. فينتج العنف كسلوك يقوم على إلغاء الآخر وتصفيته لكسب معركة الإمتياز.

   ليس هناك من مستقبل للعنف المؤسس على العقيدة أو تأويلاتها، مستقبلها الوحيد في فناء نفسها والآخر،.. ليس أمامنا إلاّ عقائد وسلوكيات التسامح المؤسس على قبول واحترام الآخر بغض النظر عن دينه أو مذهبه أو عرقه.

فهل نستسلم للفناء بالعنف، أم نؤسس للبقاء بالتسامح؟