|
احتكار القوة يقول ابن خلدون في مقدمته: (المجتمع للإنسان يشكّل ضرورة لسببين، الغذاء والدفاع) وهو قول مبتور، فضرورة المجتمع ضرورة تكوين، فالإنسان إجتماعي بالتكوين ومدني بالطبع، ولن يحقق ذاته ويفعّل إنسانيته دونما مجتمع. قد يصدق الرأي الخلدوني هذا على الجماعة البشرية في صور تشكلها البدائي التي تحيا على وفق مقومات بدائية من الترابط الإنساني ومنها تأمين الغذاء والدفاع، ولكنه لا يصدق على المجتمع كوحدة إنسانية حضارية وكوحدة سياسية تتشكل على أساسها الدولة. وهنا فإنّ صور التجمعات الإنسانية البدائية صور أولية لا ترقى إلى اعتبارها جماعة سياسية ينتظم على أساسها كلاً من المجتمع والدولة في أنساقهما الحديثة. نعمم فنقول: إنَّ المجتمع حقيقة ولا مفر من ارتباط هذه الحقيقة بضرورات ومنها ضرورة السلطة،.. لذا لا وجود لمجتمع دونما سلطة، وبتطور المجتمعات تتطور السلطة، والدولة أرقى أشكال السلطة، ومهمة السلطة إدارة المجتمع والدولة وفق قواعد القانون ومن خلال أنظمة المؤسسات لتأمين الحاجات وحل الخلافات وتحقيق مصالح الكل الإجتماعي،.. لذا فتشكيل الدولة (على تنوع أشكال الدولة تأريخياً) ليس خياراً كما يقول الفيلسوف البريطاني (براند راسل) بأنّ: ( انتقال الإنسان من الغابة إلى الدولة كان خياراً ذا اتجاه واحد من الفوضى إلى الطغيان) بل هو ضرورة لا وجود للمجتمع دونها، وهو اتجاه قسري بحكم طبيعة الإنسان وقوانين التطور، وهو ضروري بحكم ضرورة حل الخلافات بين أفراد المجتمع، فالمجتمع يفوض الدولة لحل الخلاف وإدارة الصراع بين مكوناته للحيلولة دون طغيان الفرد أو الجماعة على حساب المجتمع. إنّ الدولة ومن خلال سلطاتها هي التي تحتكر القوة ومن خلالها تفرض الإلزام على الجميع،.. وبخلاف ذلك ينتفي الإجتماع وتنهدم الدولة. في مقطعنا التأريخي الراهن.. ومع إرهاصات إعادة بناء الدولة العراقية المنهدمة.. ووسط شيوع العنف والجريمة والفساد والفوضى،.. تبرز أهمية احتكار القوة بيد الدولة والدولة فقط، وهنا لابد للمجتمع بكل فئاته ونخبه وقواه أن يفوض الدولة لإحتكار القوة وتوظيفها على أرضية القانون والمؤسسات الراعية له ودونما تمييز أو استبداد، لابد للمجتمع أن يعي أن وجوده رهن بقاء الدولة، وبقاء الدولة رهن سلطاتها، وسلطاتها رهن احتكارها للقوة حدوثاً وبقاءً. أقول هذا إن كان هدفنا إنتاج دولة، وبخلافه سننتج دويلات تتنافس النفوذ والإمتياز، دولة تفترس الإنسان وتتقاسم الوطن وتهدر الأمل.
|