عندما تبتلع الأحزاب الدولة

   من أكبر الكوارث التي تمنى بها الدول، كارثة الإبتلاع الحزبي، وهو ما يجب التحذير منه والوقوف ضده. فكما يجب رفض الدكتاتورية التي تبتلع المجتمع والسلطة والدولة فتتشخصن وفق قياسات وأمزجة شخص الدكتاتور، أيضاً وبنفس القوة يجب رفض تحزّب الدولة وتجييرها وابتلاعها من قبل أي اتجاه حزبي كان،.. فالدولة في عمقها كيان أُمّة، وحياديتها وأبوّتها شرطان أساسيان لإستقلالية شخصيتها المعنوية والقانونية، ولازم ثابت لتمثيلها الشرعي للكل الوطني المنضوي تحت خيمتها الجامعة.

   الأحزاب السياسية من لوازم تشكيل النسيج السياسي للسلطة في الدولة الحديثة، على أساس أنَّ الحزب وحدة مدنية إجتماعية تستهدف إدارة السلطة على وفق برنامج سياسي محدد. وهنا فإنّ دائرة الحزب يجب أن تتحد بالسلطة لا بالدولة، وأي تمدد لرقعة وجوده على حساب الدولة سيقضي على مشروع الدولة،.. ولعل تجربة حزب البعث خير دليل على سقوط مشروع الدولة عندما يبتلعها الحزب.

   كيف يبتلع الحزب الدولة؟ مرة بالقفز على السلطة دونما شرعية انتخابية ليعطل المؤسسات الدستورية والسياسية وينفرد بالقرار الوطني، ومرة من خلال شرعية الفوز الإنتخابي ليتمدد رويداً رويداً خارج حدود السلطة فيسيطر على مؤسسات الدولة وهيئاتها السياسية والإقتصادية والثقافية والتعليمية.. ليطبعها بفكره وسياساته، ومرة عندما تقع الدولة أسيرة الرؤى والثقافة والبرامج الخاطئة لحزب بدائي لا يميز بين ما هو دولة ثابتة بمؤسساتها الدستورية وثوابتها الديمقراطية وبين ما هو سلطة تداولية متحركة، ومرة عندما تصل إلى سدة الحكم أحزاب لا ترتقي لمستوى الأداء الوطني من حيث الفكر والطروحات والسياسات فتنحر الدولة من خلال نحر مبادئها كمبدأ تداول السلطة سلمياً والفصل بين السلطات وتقاسم الإختصاصات والصلاحيات واستقلالية القضاء وتوافر الحريات العامة..الخ، ومرة عندما يقتل الحزب مبرر وجود الدولة المتمثلة بالإعتراف بالمواطنين وحمايتهم وتوفير الخدمات لهم.. وذلك من خلال اعتماد الحزب لمعايير الطائفة والعرق والمنطقة على حساب المواطنة، وعندما يفشل في إدارة السلطة وفق أنظمة التخصص والمساءلة والشفافية، ويعجز تحقيق الأمن والإستقرار والرفاه.. فيتداعى المجتمع وتنهار الدولة بالتبع.        

    أحزابنا العراقية أمام تحد تأريخي وبالذات في مرحلة التأسيس للدولة العراقية الجديدة، ومقود القرار ودفة السياسة بيدها، وبالتالي مصائر العباد والبلاد بذمتها،.. عليها ألاّ تكرر لعبة ابتلاع الدولة فتعيد إنتاج الكوارث التي منيت بها دولتنا المنتحرة والمنحورة، عليها ولكي لا تكرر المأساة ترسيخ دولة القانون والمؤسسات الدستورية النافذة، عليها اعتماد المواطنة كعلاقة عضوية كاملة وفاعلة بين المواطنين العراقيين ودولتهم بغض النظر عن إنتمائهم الديني والطائفي والعرقي والسياسي، عليها أن تعتمد شرعية الإنتخابات كوسيلة ثابتة للوصول إلى السلطة، عليها العمل بمقتضيات التعددية الفكرية والمذهبية والسياسية، عليها تأكيد أصالة المجتمع وخياراته الحرة والمتنوعة، وعليها أن تكون أحزاب برامج لا أحزاب إيديولوجيات وحسب، وعليها أن تكون أحزاباً ديمقراطية وطنية حقة هدفها المصالح العليا للأمة والدولة،.. وبدون ذلك ستكون الأحزاب للدولة وبالاً ومأزقا.