|
إنسان الدولة ابتكر الإنسان الدولة لضرورات ثلاث، هي: الإعتراف والحماية والخدمات، وكافة أنشطة الدولة السياسية والإقتصادية والثقافية.. ما هي إلاّ أوجه لتحقيق هذه الضرورات. من هنا كان مبرر وجود الدولة وبقائها مرتبط بهذه الضرورات على مستوى الإعتراف القانوني والتمكين العملي. إنّ تطور الجماعة الإنسانية إلى مجتمع إنساني واتساعه وتعقيد قضاياه وبروز الخلاف والصراع على موارد السلطة والثروة.. ذلك وغيره، برر إنشاء الدولة لهدف إدارة الصراع الإنساني بسلام وتحقيق العدالة الإجتماعية على أفضل وجه. لقد استعاض إنسان الدولة بمبدأ المواطنة كأساس لعضويته في مؤسسة الدولة بدل الروابط العرقية والمذهبية والعشائرية والمناطقية التي لم تعد صالحة كروابط لإنشاء الجماعة السياسية بسبب تعدد مكونات وأطياف الأمة-الدولة، وفوّض الدولة استخدام القوة لتحقيق الأمن والإستقرار بدل أن يستخدمها الفرد أو الجماعة، وأناط بالدولة توفير الخدمات نتيجة اتساعها وتعقيدها،.. من هنا كان ومازال وسيبقى المبرر من وجود الدولة هو اعترافها الكامل بالمواطنين و حمايتها لهم وتوفيرها للخدمات وعلى وفق أسس العدالة والمساواة والتكافؤ. ومع فشل الدولة بالإعتراف والحماية وتوفير الخدمات لمواطنيها فلا مبرر لوجودها بالأساس، فما عسى المرء أن يفعل بدولة لا تعترف به ولا تحميه ولا توفر له الخدمات؟!! الدولة إطار قانوني مؤسساتي هدفه تنظيم عيش وتطوّر الجماعة الإنسانية المسمّاة بالمجتمع والجماعة السياسية المسمّاة بالدولة، وبدون هذا الإطار القانوني المؤسساتي سينهدم البناء الإجتماعي إلى جماعات متناحرة، وسينهدم الصرح السياسي إلى كانتونات وفرديات سلطوية متصارعة،.. عندها ستتحول الدولة كمؤسسة قانونية تنتمي للكل وينتمي الكل إليها، تتحول إلى سلطة مجردة يمتكلها الأقوى والأشرس والأكثر فسادا، فيفقد إنسان الدولة إنسانيته ومواطنيته ورفاهه. إنسان الدولة غير إنسان السلطة، الأول سيد وآمن ومرفه، والثاني عبد وخائف ومجوّع،.. إنسان الدولة وحدة إنسانية وسياسية تعتمده الدولة بعلاقة عضوية لا تعرف الخلل.. فيعيش الإنتماء والولاء لمؤسسة تعترف به وتحميه وتسهر على راحته،.. وإنسان السلطة وحدة إستضعاف سياسي وثقافي وأمني وخدمي، فيعيش العزل والإقصاء والتهميش والعبودية. طوال حياة دولتنا العراقية لم تنجح هذه الدولة بخلق إنسان دولة بل نجحت بخلق إنسان سلطة، خابت وسقطت جراء فشلها في ثلاثية الإعتراف والحماية والخدمات،.. عاش إنساننا التمييز والإقصاء والخوف والقمع والإذلال والجوع.. بسبب رؤى ومناهج الإستعباد والإستبداد. ما لم ننجح بإنتاج دولة تعترف بنا وتحمينا وتوفر لنا الخدمات.. فلن نستشعر إنسانيتنا ولن نتحسس مواطنيتنا،.. وهذا هو التحدي الأكبر.
|