|
قضية كونية السياسة صِنعة، تتطلب التخصص والمهنية،.. والقيادة فن، تتطلب الموهبة والخبرة والإلتزام والإخلاص. السياسة القائدة، هي الرائدة في صنع الواقع وتغييره من خلال الإدارة الناجحة لملفات الواقع. وملفات الواقع على تنوعه السياسي والإجتماعي والإقتصادي والأمني... هي ملفات أزمة هنا وهناك، وعلى السياسي إدارتها على أحسن وجه بما يضمن تماسك ورقي المجتمع والدولة،.. من هنا كانت السياسة في عمقها هي فن إدارة الأزمة على مستوى المجتمع والدولة، ولا يمكن إدارة أية أزمة من دون وعي طبيعتها والإرتفاع لمستوى قضاياها في الرؤى والتخطيط والبرامج والحلول الموضوعة لها،.. وكلما تعقدت الأزمة واستفحلت إلى أزمات.. كلما احتاجت إلى ساسة من طراز خاص، ساسة بمستوى القضية والأزمة والتحدي.. سواء في وعيهم الذاتي أم إلتزامهم الوطني. بسبب فشل الأنظمة المتعاقبة على حكم العراق في تحديات البناء والبقاء السياسي والإقتصادي والأمني... تعددت وتراكمت وتداخلت الأزمات العراقية واستفحلت لتغدو حزمة أزمات متداخلة ومتشابكة وممتدة،.. حتى غدا كل شيء أزمة: هوية الدولة أزمة، شكل نظامها السياسي أزمة، موضوعات الإنتماء والولاء والتعايش والتماسك الوطني أزمات، نمط التنمية وإدارة وتوظيف الثروة أزمات وأزمات، الدستور والقوانين والثقافة أزمات وأزمات وأزمات،.. ناهيك عن تداخل قضايا هذه الأزمات مع قضايا الإقليم الشرق أوسطي المضطرب والقلق والهش في نظامه السياسي والإقتصادي والإجتماعي والأمني،.. ناهيك أيضاً عن المحاور الدولية التي تخوض صراع المصالح على أرضنا من خلال التعامل مع ملفات أزماتنا السياسية والأمنية والإقتصادية،.. لقد استحالت أزماتنا العراقية إلى قضية كونية بكل ما للقضايا الكونية من ثقل وتشعب وتعقيد داخلي وإقليمي ودولي،.. وعلى أساس نتائج إدارة ملفات الأزمة سيتحدد نوع العراق الجديد كدولة ومجتمع على مستوى الهوية والنظام. أزمتنا الكونية التي ستحدد شكل العراق الجديد تحتاج إلى إدارة كونية إنطلاقاً من كونية قضيتنا، والإدارة الكونية تتطلب: أولاً- وعياً وتخطيطاً وأداءً بمستوى كونية القضية العراقية بكل تشعباتها وتداخلاتها الداخلية والإقليمية والدولية، وأدنى قصور وتقصير في الوعي والتخطيط والأداء سيحطم القضية، وسيتحطم الإنسان والدولة والوطن موضوعات القضية، وهذا ما أسميه (الإرتفاع لمستوى الأزمة). ثانياً- تناغم رؤى وحلول جميع الأطراف الداخلة في الأزمة لمستوى الإدارة الكونية الجامعة والمانعة، فلا يمكن إدراك النجاح فيما لو تخلف أي طرف وتقدم الآخر، وفيما لو تضاربت رؤاهم وحلولهم أياً كان طرف الأزمة، وهذا يمثل (تضامنية أطراف الأزمة) لإنتشال العراق من خطيئة النحر والإنتحار التي إن حدثت لا -سمح الله- فستقود لا محالة إلى شيوع الفوضى والإنقسام والتقسيم وطنياً وإقليمياً. لقد إنهار العديد من الدول، وتشيء العديد من المجتمعات.. عندما أسيء فهم طبيعة الأزمة أو شهد الواقع حلولاً مبتسرة لها أو تخلف الأداء في إدارتها. أملي أن يعي كل طرف مشترك بأزمتنا داخلياً وإقليمياً ودولياً.. أن يعوا ثقل وتعقيد الأزمة العراقية ومدياتها الكارثية فيما لو فشلنا بإدراك الحل.
|