|
لِمَن الولاء ؟
دموية المشهد وديماغوجية الساسة والتداعي الخطير للوحدة الإنسانية والسياسية.. تطرح تساؤلات جوهرية عن وجهة بوصلة الولاء العراقي،.. فيا ترى لِمَن الولاء ونحن نعيش اليوم أخطر مراحل التكوين والوجود كأمّة ودولة؟ لأي مبدأ ولأية أطروحة ولأي رمز ولأية مؤسسة.. نريد التأسيس والتمكين والدفاع في معارك البناء والبقاء العراقي؟ لقد أخطأنا الولاء حينما اتجه صوب التمحور العرقي والطائفي والحزبي والمناطقي، ونسينا بأننا نرمي لتأسيس مجتمع لا جماعات ودولة لا سلطات، نسينا أننا وبتعميق الولاءات الخاصة سنقضي على الولاء الوطني الجامع، نسينا أننا نؤسس لكانتونات المصالح الضيقة التي لا تلبث أن تحترب دفاعاً عن مصالحها الخاصة،.. وما نجنيه اليوم خير دليل على خواء ولائنا للإنسان والأرض والدولة. لعل مشروع المصالحة الوطنية آخر ميدان سنكتشف فيه طبيعة ولاءاتنا كأعراق وطوائف وأحزب ونُخب عراقية،.. ويجب أن يكون كذلك، لنرى مَن هو مع الحب والسلام والتعايش والسيادة والإزدهار ،.. يجب أن يكون مشروع فرز على مستوى النية والإعلان والموقف لكل عراقي، وعلى أساس امتحان الولاء هذا سيتحدد نوع البقاء لعراقنا الممتحن، دولة أم دويلات؟ وحدة أم تشرذم؟ سعادة أم شقاء؟ أقول: لا بقاء لأمّة ودولة دون الولاء لهما، فالولاء لازم وجودي لنشوء وبقاء الأمّة كوجود إنساني متمثل بالمجتمع وكوجود سياسي متمثل بالدولة. فالولاء من أساسيات التكوين الذاتي للأمم والجماعات، فهو الرابط المُجسِّد للإنتماء إلى الجماعة والمُوجد للُحمة التكتل الذي يُميز جماعةً عن أخرى سواء في الرؤى أم التطبيقات، وإذا ما انتفى الولاء إنتفى الإرتباط والإنتماء. فيما يتعلق بالدولة فإنَّ تماسكها وتقدمها مرهون بالولاء لها، فلا يمكن تصور قيام وبقاء دولة دون انضواء رعاياها ضمن خيمة الولاء لوجودها وأرضها ومجتمعها، وهنا فإنَّ الولاء الوطني هو الإطار الناظِم للدولة والماسك بوحدتها والمُغذي لديمومتها والمنتج لتطوّرها من خلال ضمانه لعطاء الأفراد والجماعات والتزامهم ودفاعهم عن دولتهم، وكافة أنماط الولاءات الخاصة العِرقية والطائفية والحزبية والنخبوية يجب ألا تؤسَس على حساب الولاء الوطني، وإذا ما أوسست على حساب الولاء الوطني فستنهار الوحدة الإنسانية والسياسية للمجتمع، ومتى ما تم تفضيل أو تقديم الولاء الخاص على الولاء العام للدولة فستحدث القطيعة بين الدولة ورعاياها فيتهدد كيان الدولة ووحدة البلاد وتماسك المجتمع. وعليه فأي إحياء للولاءات الخاصة سيجهز على وحدة المجتمع، وأي تعميق للهويات والثقافات الفرعية سيخلق عصبيات وعصبويات تسحق المواطنة كوحدة انتماء وتماسك، وستصادر الوطنية كوحدة ولاء وقياس، وهو ما سيخلق لكانتونات التصادم والإحتراب شئنا أم أبينا. مشروع المصالحة الوطنية مشروع ولاء، وعليه يجب أن يحتل مركزاً متقدماً في الضمير والأداء الوطني العراقي، وبما ينفي الولاءات الضّيقة التي يُراد لها أن تحتل مكان الولاء الأكبر للإنسان والوطن والدولة. لن ينجو أحد بعد اليوم فيما لو اخطأت بوصلة الولاء اتجاه المواطنة والتعايش والتسامح والحوار والتعددية وقبول الآخر والتضامن الوطني. إنَّ ولاءنا الوطني اليوم على المحك، فحفظ وطننا ودولتنا وكياننا الإنساني والحضاري مقترن بتأكيد الولاء للعراق بعيداً عن الولاءات الخاطئة والهابطة والتشتيتية، وإعادة الحياة والإعتبار لإنساننا ومجتمعنا ودولتنا رهن قدرتنا على إنتاج وتعميق الولاء للعراق أرضاً وشعباً وعلى أرضية الحب والسلام.
|