مأزق النخبة.. نخبة المأزق!!

    المسيرة المارثونية لتشكيل الحكومة والهيئات القيادية العليا للبلاد أعادة للذاكرة النقد اللاذع الذي وجهه –قبل شهرين- السياسي العراقي الدكتور محمود عثمان لزعامات سياسية عراقية،.. قال وقتها بأنَّ: (سمعتها أصبحت أكبر من الصفر بقليل لدى المواطن العراقي من جراء الفراغ السياسي الناتج عن تأخر تشكيل الحكومة إلى الآن)... ولعَمري إنه وصف مؤلم وإن لامس الحقيقة! فبدل أن تكون النخبة هي الرائدة لإنجاز التحولات البنيوية الكبرى في المجتمع والدولة.. نرى أنها غدت أزمة بذاتها، فحطام وركام المجتمع والدولة ينتظران اتفاق وتوافق النخبة لإخراج العراق من عنق الزجاجة!!

   وبمناسبة مأزق النخبة.. أريد تذكير الدكتور عثمان هنا: بأنَّ الأزمة أكبر من تشكيل الحكومة والهيئات الحاكمة الأخرى، فالقضية تتعلق بفلسفة وآلية بناء الدولة العراقية الجديدة، وهي أعقد من كونها مسألة هيئات حاكمة تختلف على شخوص رؤسائها وتقسيم حقائب مسؤولياتها بين هذه الجهة أو تلك، إنها تمتد للرؤى والأسس والبرامج والأداء الذي يتم به ومن خلاله إعادة بناء الدولة الموعودة، فالمشكلة غلبة نهج السلطة على حساب نهج الدولة في الأداء الحزبي والنخبوي، واستمرار الإحتكام إلى قواعد المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية والشخصية في إنتاج الدولة.. وهي أمور لا يمكن معها المراهنة على بناء دولة صالحة وقادرة على البقاء، لذا سوف لن ينهي المأساة العراقية توافقاً حقائبياً بين الفرقاء السياسيين ما دامت العملية السياسية لم تقفز بعد على قواعدها وأخلاقياتها التقليدية التي أدت إلى هذه المآزق.. وهو ما سيقود - إن استمر- إلى عدمية سياسية تعيد إنتاج نفسها لدى كل استحقاق وطني قادم.

   المشكلة في توالد الأزمات المتتالية غياب وتغييب معايير وآليات بناء الدولة الوطنية من مواطنة وديمقراطية ومصلحة وطنية لا تُقزّم بمصلحة طائفية أو قومية أو فئوية ضيقة، وكافة مظاهر الخلل من تغليب الهويات الفرعية على حساب هوية الدولة الوطنية، ومن ابتلاع الأحزاب للطوائف والأعراق، ومن شخصنة الدولة والسلطة..الخ ناتج عن هذا الغياب والتغييب الغريب!! وفي تصوري أننا عدنا الآن إلى المربع الأول في نسج المعادلة الوطنية التي لا يمكنها الصمود أكثر أمام تداعيات قواعد اللعبة السياسية التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، فالخلل هو خلل بنيوي في الرؤى والبرامج الصانعة للدولة، وما لم يتم معالجة هذا الخلل وفق رؤى وبرامج وطنية تعبر عن الجميع وتحقق مصالح الجميع بعدالة ومساواة.. فلن تستمر اللعبة طويلا. وهنا فليس أمام النخبة الصانعة للقرار سوى خيار واحد: أن تنبري بروح والتزام وهمة وطنية لكسب معركة بناء الدولة العادلة والحرة والصالحة بعيداً عن قواعد اللعبة السياسية التقليدية التي أثبت الواقع حتى الآن فشلها في إنتاج الدولة. 

   نعم.. هناك تحديات سياسية واقتصادية وأمنية كبرى خلقت وتخلق العديد من المآزق للنخبة الصانعة للقرار، وللأمانة نقول أنّ النخبة وسط تحديات لا يستهان بها،.. ولكن علينا التذكير أيضاً أنّ هذه التحديات هي تحديات طبيعية تفرضها عمليات التغيير المطلوب إحداثه في بنية المجتمع والدولة، فمن السذاجة أن نعتقد أن التغيير يمر دون عقبات أو خسائر سيما إن كان تغييراً بنيوياً شاملاً لأسس الدولة... ويبقى الأهم: أن تسعى النخبة السياسية كي لا تكون هي مأزق بذاتها سواء في طبيعة رؤاها أو نوع أدائها أو نمط ثقافتها السياسية .. فإذا فشلت بالخروج من شرنقتها الطائفية والعرقية والحزبية والشخصية البحتة، وعجزت عن إعادة بناء الدولة على أسس المواطنة والديمقراطية والقانون والسيادة والإزدهار، وتنكرت للإخلاص والتجرد والمصالح العليا... عندها ستتجذر الكارثة.. وعندها ستستحق وعن جدارة لقب نخبة المأزق!!