مصير الدولة.. ومآل التحالفات السياسية 

حسين درويش العادلي

 

* بعض الساسة يحذرون من الإفراط بالتفاؤل على صعيد القدرة لتشكيل تحالفات حقيقية قادرة على الحسم.

 

* التحالف الرباعي يعد مؤشر على دخول التحالفات السياسية عهداً جديداً يمكن المراهنة عليه لحلحلة الأزمة.

 

* أغلب الكتل السياسية اليوم تعاني من أزمة (التفكيك) لوحدتها بسبب تفاقم الأزمات الداخلية بين القوى المشكلة لهذه الكتلة أو تلك.

 

* التعارض بين القوى وصل إلى حد (العظم) في تحديد الموقف الحاسم من استحقاقات بناء الدولة وتحديد مصير ملفاتها العالقة.

 

* العملية السياسية ذاتها تعيش مأزق الإستمرار فيما لو استمرت الكتل باعتماد سياسة المحاصصة كأساس في إنتاج هياكل الدولة ومؤسسات السلطة.

 

* عجز الإتفاقات والتوافقات السياسية الحالية عن إدارة البلاد بسبب التوازن السلبي بين الكتل السياسية.

 

* القوى الإقليمية والدولية تضغط سياسياً وأمنياً على الواقع العراقي لحمله على تشكيل تحالفات جديدة تضعها في صلب البديل المراد إنتاجه تحقيقاً لمصالحها الخاصة.

 

* تقرير مصير الدولة رهن رؤى وسياسات القوى العراقية بالأساس، وإنّ إرادتها صانعة لقدر الدولة مهما تنوعت وتموضعت التحديات.

 

* التحديات الراهنة تعمل باتجاهين: إما إفشال العملية السياسية برمتها، أو إفراغها من مضامينها ومقاصدها.

 

* مآل الصراع السياسي سيحدده مسار التحالفات السياسية الجديدة وقدرتها على حمل عربة العملية السياسية على سكة الحسم.

 

* المطلوب إنشاء تحالف وطني واسع يقوم على أساس سياسي صرف بعيداً عن المحاصصات الطائفية والعرقية.

 

 

   تشهد الساحة السياسية العراقية حركة نشطة معلنة وسرية لبلورة تحالفات سياسية جديدة في بغداد والقاهرة وعمان وعواصم أخرى،.. يراد لها ومنها حلحلة الأزمة العراقية المتشظية والمتفاعلة في ملفاتها الداخلية والخارجية.

   بعض الساسة يحذرون من الإفراط بالتفاؤل على صعيد قدرة تشكيل تحالفات حقيقية قادرة على الحسم، بلحاظ أنّ الساحة تحتكم إلى نفس القوى وذات الآلية والثقافة والأجندة في التشكيل،.. وبنظرهم فإنّ أي تحالف جديد لا يمكنه تخطي الأزمة التي انفلت عقالها عن السيطرة، وأنّ هذه القوى ذاتها غدت جزءً من المشكلة وليس جزءً من الحل.

   يقابل هذا الرأي المتشائم رأي آخر، يرى إمكانية حلحلة الواقع وإحراز التقدم التدريجي لعموم ملفات البلاد الساخنة فيما لو اعتمدت القوى السياسية العراقية نمطاً جديداً من التحالفات يتجاوز المحاصصة الطائفية والتوافقات الفيتوية التي تجعل من حسم الملفات وإحراز التقدم أمراً بعيد المنال،.. ويرون في التحالف الرباعي مؤشراً على دخول التحالفات السياسية عهداً جديداً يمكن المراهنة عليه لحلحلة الأزمة.

  

 

دواعي التحالفات الجديدة

   يمكن القول أن الداعي لتشكيل التحالفات الجديدة يرتبط بجملة من المتغيرات، أهمها:

-   أغلب الكتل السياسية اليوم تعاني من أزمة (التفكيك) لوحدتها بسبب تفاقم الأزمات الداخلية بين القوى المشكلة لهذه الكتلة أو تلك،.. إنّ تفاقم هذه الأزمات يعتبر طبيعياً كون أنّ تشكيل هذه الكتل إبان الإنتخابات جاء تلفيقياً متسرعاً مدفوعاً بحمى التجاذب الطائفي أو العرقي أو السلطوي، ولم يبتن على وفق أساس من الإتفاقات السياسية المحددة والتفاهمات البرامجية الواضحة، لذا وبمجرد التعاطي مع استحقاقات الفوز الإنتخابي داخل البرلمان والحكومة.. برز وتفاقم التباين والتعارض في الرؤى والسياسات والإتجاهات بين أطراف التكتل الواحد، الأمر الذي يحتم عاجلاً أم آجلاً تشكيل تحالفات جديدة يحدد بوصلتها التقارب السياسي في الرؤية والمصلحة لهذا الطرف أو ذاك من داخل وخارج الكتل السياسية الحالية.

-   التعارض بين القوى وصل إلى حد (العظم) في تحديد الموقف الحاسم من استحقاقات بناء الدولة وتحديد مصير ملفاتها العالقة، ابتداءً من الإستحقاقات الدستورية المتعلقة بالفدرالية وشكلها وصلاحياتها، أو بالثروة وامتلاكها وتوزيعها،.. إلى حسم الوضع المنهدم الأمني والقانوني للدولة. وهنا يؤشر المراقبون على انعدام إمكانية التسويف أو التلفيق أو الترحيل لهذه الملفات الحاسمة، فلم يعد الواقع العراقي المنهدم يسمح بالمماطلة وترحيل الحسم، والحسم يتطلب الخروج بتوليفات جبهوية جديدة تستطيع الخروج من المازق.

-   العملية السياسية ذاتها تعيش مأزق الإستمرار فيما لو استمرت الكتل باعتماد سياسة المحاصصة كأساس في إنتاج هياكل الدولة ومؤسسات السلطة،.. فبنظر الكثيرين أنّ طريقة عمل التكتلات السياسية الحالية والتي قامت على وفق مبدأ المحاصصة، أفرزت عرفاً دستورياً وواقعاً اجتماعياً سياسياً أفقد العملية السياسية ذاتها إمكانية التطور والوصول إلى محطاتها النهائية، كونها كرست الإنقسام السياسي والمجتمعي، وافرزت شكلاً هجيناً للدولة، ورسخت إنقساماً في السلطة أفقدها الوحدة الضرورية لإنجازر مهامها. وما لم يتم القفز لتحالفات جديدة تقوم على وفق الأسس السياسية الصرفة.. فلن يتم تجاوز عنق الزجاجة.

-   عجز الإتفاقات والتوافقات السياسية الحالية عن إدارة البلاد بسبب التوازن السلبي بين الكتل السياسية، فاتفاقاتها وتوافقاتها لم تنجح في إدارة المجتمع والدولة وبالذات في إنقاذ البلاد من دوامة الأزمات الأمنية والخدمية. ويُرجع العديد من المراقبين هذا العجز إلى تضارب الرؤى والمصالح والأجندات لهذا الفريق أو ذاك، مع ملاحظة توظيف بعض القوى لعوامل العنف والإرهاب والدعم الخارجي كعناصر في إفشال التوافقات أو جر الواقع للعودة إلى المربع الأول كلما تم إحراز تقدم هنا أو هناك.

-   الداعي لإعتماد تحالفات سياسية جديدة، هو الضغوطات التي تمارسها القوى الإقليمية والدولية التي تتبنى هذا الطرف العراقي أو ذاك، بغض النظر عن اسباب هذا التبني سياسي كان أم عنصري أم طائفي أم مصالحي،.. وعلى رأي الكثيرين أنّ القوى الإقليمية والدولية تضغط سياسياً وأمنياً على الواقع العراقي لحمله على تشكيل تحالفات جديدة تضعها في صلب البديل المراد إنتاجه تحقيقاً لمصالحها الخاصة.

 

 

مصير الدولة

   لا شك أنّ مصير الدولة العراقية يتوقف على مآل التحالفات السياسية للقوى العراقية الصانعة للقرار،.. على أساس أنّ الحل في جوهره عراقي يعتمد إرادة القوى السياسية بغض النظر عن الضغوطات الهائلة المتأتية من التدخلات الإقليمية والدولية وطوفان الإرهاب والجريمة والفساد والفوضى،.. فتقرير مصير الدولة رهن رؤى وسياسات القوى العراقية بالأساس، وإنّ إرادتها صانعة لقدر الدولة مهما تنوعت وتموضعت التحديات.

   التحديات التي تضغط الآن على واقع  العملية السياسية، والتي تتمظهر سياسياً وأمنياً وخدمياً وإعلامياً.. هذه التحديات الراهنة تعمل باتجاهين: إما إفشال العملية السياسية برمتها، أو إفراغها من مضامينها ومقاصدها. وفي كلتا الحالتين فهو سعي لإفشال عملية التغيير وما أفرزته من نتائج على صعيد بناء الدولة.

   إنّ الصراع الكتل والأجندات يتمحور في حقيقته حول الدولة، وشكل الدولة سيكون ناتجاً عن مآل هذا الصراع الدائر بين الفرقاء السياسيين ملاك القرار، ومآل الصراع السياسي سيحدده مسار التحالفات السياسية الجديدة وقدرتها على حمل عربة العملية السياسية على سكة الحسم. فبنظر العديد من الساسة: أنّ الذي يعيق التقدم هو فقدان الحسم السياسي والأمني، وفقدان الحسم ناتج عن المحاصصة والتوافقات الفيتوية،.. ويؤكدون، بأنّ السكة الحالية للعملية السياسية وما تعتمده من تحالفات لا يمكنها إنتاج دولة متماسكة، وستقود لا محالة إلى التقسيم أو إنشاء دولة الدويلات. ويؤكدون، أنّ المطلوب إنشاء تحالف وطني واسع يقوم على أساس سياسي صرف بعيداً عن المحاصصات الطائفية والعرقية، مع توسيع قاعدة المشاركة بإدارة البلاد من القوى والنخب السياسية خارج السلطة.