محنة الإنهدام، وثلاثية: التعايش، التسامح، المصالحة

 

   لا يمكن أن تقوم دولة إذا ما فشل المجتمع في إنتاج وحدته وتماسكه، ولن تنتج وحدة مجتمعية ويستقيم تماسك إنساني، دونما تعايش مشترك، ولن يستديم تعايش مشترك دونما تسامح متبادل.

   التعايش قيمة وتطبيقاً يختزن الإعتراف بالآخر وحقه بالحياة، ويقوم على وفق حقيقة كونية هي (الإختلاف)،.. فالبشر مختلفون عرقاً وجنساً وديناً ومذهباً وثقافةً وذوقاً.. وعليهم -إذا ما أرادوا العيش المشترك- الإعتراف والقبول بحقيقة إختلافهم، وأن يتقبل أحدهم الآخر دونما وصاية أو إكراه أو إلغاء، ومن موقع التباين لا التطابق،.. إنّ الإعتراف بالآخر واحترام خصوصيته وخياراته وتقبّل العيش معه رغم الإختلاف.. هو ما يحقق التعايش المشترك والتسامح المتبادل.  

   تتقوض فرص التعايش والتسامح فيما لو اعتمدت رؤى التمييز ومناهج الإقصاء وقيم الكراهية القائمة على رفض الاختلاف، وتضمحل إمكانية التماسك الوطني والإجتماعي فيما لو سادت ثقافة العنف والتسلط والإكراه ومصادرة الحقوق، سواء في تطبيقات الدولة أم في تطبيقات المجتمع،.. من هنا فإنّ التعايش والتسامح يرتبطان عضوياً بنمط القيم والثقافة التي يختزنها الفرد والمجتمع تجاه النفس والآخر، كما يرتبطان عضوياً بحقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة،.. إنّ الدول الدكتاتورية والمجتمعات المتعصبة من أوضح مصاديق الدول والمجتمعات الفاقدة لأسس العدالة والسلام والتطور، والسبب يكمن في تضحيتهما بأسس التعايش المشترك والتسامح المتبادل.

    قبول التعايش على أساس من مقتضيات التعددية والحريات والحقوق.. يؤمّن التسامح، والتسامح في عمقه هو تأمين التعايش المشترك في نسق التباين وليس في نسق الإتفاق، من هنا كان التعايش والتسامح القاعدة المثلى لتأمين السلم على مستوى الدولة والمجتمع. على أنّ التعايش والتسامح  لا يمنعان وقوع ألوان الخلاف وأنماط الصراع، فهو أمر طبيعي، وهو جزء من طبيعة الحياة ذاتها، ولكن بالتأكيد سيكون خلافاً وصراعاً تدافعياً سلمياً لا يقوم على الإكراه والظلم والعنف،.. وبالتالي فالتعايش والتسامح يلعبان دوراً جوهرياً في إدارة الخلافات والصرعات سلمياً.

   نتيجة لعوامل عدة، تشهد بعض الدول والمجتمعات إنهداماً مريعاً في منظومات التعايش والتسامح، وتفشل بإدارة خلافاتها وصراعاتها سلمياً، فيسود التعصب والكراهية والعنف،.. مصير هكذا دول ومجتمعات يتحدد بنوع الموقف الذي تعتمده تجاه أزمة التعايش والتسامح: أما الإستسلام للانهدام وهو ما يقود لا محالة إلى التجزئة والحروب، أو تحدي الإنهدام من خلال اعتماد مصالحة شاملة تعيد تركيب المجتمع والدولة على وفق قواعد العدالة والحقوق والحريات،.. وهو ما سيقود إلى الوحدة والسلام.

   يعيش عراقنا اليوم أزمة كهذه، وأمامه خيارات الوحدة أو التشتت، السلم أو الحرب،.. أرى أنّ مشروع المصالحة الذي طرحه السيد رئيس الوزراء يعتبر الحصن الأخير أمام الإنهدام الكلي للمجتمع والدولة، ومسؤولية الجميع على تنوعهم العرقي والمذهبي والسياسي إنجاح المصالحة إذا ما أردنا تجاوز محنة الإنهدام،.. لا بديل عن التعايش، ولا مناص من التسامح.. إذا ما استهدفنا وضع حد لاستنزاف الدم والأمل.