الشفافية والمساءلة
لا تنتج دولة دونما اعتماد القانون والشفافية والمساءلة كأنظمة متكاملة تنتهجها الدولة في برامجها ومخططاتها وأدائها،.. وإذا ما هُمّش القانون وساد الغموض وشاع التحلل.. فستنهار الدولة أو تتقزم لمستوى السلطة المجردة المساوقة للإستبداد والإستعباد. الدولة إطار قانوني هدفه الأساس تنظيم وإدارة السلطة والثروة لتحقيق العدالة الإجتماعية، ولا يمكن تحقيق الإدارة العادلة والنزيهة دونما أسس قانونية تعتمدها عمليات الإدارة، وسياسة شفافة عن الأداء، وأنظمة مساءلة محكمة لضمان الأداء الأمثل والوقوف أمام التجاوزات،.. وبخلاف ذلك لا يمكن المراهنة على إنتاج دولة. دولتنا ومؤسساتها وإداراتها بأمس الحاجة لإعتماد مبدأ الشفافية الذي يعني توفير المعلومات بشكل مكشوف لدراستها وتوظيف نتائجها على أساس قواعد المساءلة القانونية. إنَّ التدفق الحر والمتواصل للمعلومات سيخلق الشفافية المطلوبة والتي تتيح الوقوف على الحقائق لرصد الإيجابيات والسلبيات على كافة مستويات وقطاعات وفاعليات الدولة، وهو أمر لازم لتطوّر الدولة وتقدمها من خلال ما تمنحه الشفافية من مساعدة على الفهم والمراقبة والمعالجة لسير المؤسسات ونتائج عملها أولاً بأول. الشفافية من أفضل الطرق لنيل ثقة الجمهور كونها تضعهم أمام الحقائق دونما غموض الذي يعتبر مصدر الشك الأساس، والشفافية أيضاً عنصر رئيس من عناصر المساءلة الذي يضمن استقامة الأداء الحكومي والمؤسسي ويقيه من الأخطاء وتراكمها ومن الفساد على تنوع مصاديقه. سياسات الدولة المتصلة بالتخطيط والإدارة والمباشرة بتنفيذ البرامج والمشاريع تستلزم أول ما تستلزم توافر الشفافية وخاصة فيما يتعلق بصناعة القرارات السياسية والإقتصادية للأمّة، وهنا على المؤسسات الحكومية تزويد الرأي العام والجهات ذات العلاقة والمصلحة بكافة البيانات المعلوماتية المطلوبة، باعتبار أنَّ الحكومة هي المصدر الرئيس للمعلومات ومستخدم أساسي لها. والمساءلة بدورها من معايير الإدارة الحكومية السليمة والتي تتطلب سيادة القانون والرضوخ له وتوافر الحريات والشفافية الدائمة كي تكون فاعلة وحقيقية، وهدفها الرئيس الإلتزام بالقوانين وضمان الإستقامة والتحلي بالمسؤولية ومكافحة الفساد والتلاعب والعجز وسوء استغلال المنصب، وهي عماد أجهزة المراقبة لضمان النزاهة، ويجب أن تكون شاملة وملزمة لكافة المسؤولين والمؤسسات تطبيقاً للعدالة وضماناً للتطوّر، إنَّ غياب المساءلة يعني شيوع الفوضى والتحلل من المسؤوليات القانونية وهو أقصر طريق للفساد الشامل. إنَّ توافر المساءلة وجعلها ثابتاً إدارياً يتطلب شبكة من الأنظمة القانونية الواضحة والصارمة التي تلزم المسؤولين بها، وتتطلب تحديداً دقيقاً لآليات تطبيقها العملي. كما أنَّ إتقاد الوعي الإجتماعي والنُخبوي وفاعلية مؤسسات المجتمع المدني وحرية والتزام وسائل الإعلام.. عناصر رئيسة إضافية لتدعيم المساءلة وجعلها ثابتاً قانونياً وقيمياً وثقافياً في حركة الدولة والحكومة بما يعزز المسؤولية ويقي من الفشل وعدم الكفاءة ويحد من الخداع والغش والفساد في المؤسسات الحكومية، وذلك كله من مستلزمات بناء الدولة الصالحة.
|