|
صناعة وطن..
بتشكيل الحكومة اكتمل نصاب الهيئات القيادية العليا للبلاد، ومع اكتمالها تبرز مهام صناعة الوطن العراقي المنتحر والمنحور بفعل تركة الإستبداد وشيوع الفوضى وسيطرة الفساد،.. فأمام القادة الجدد مهمة صناعة وطننا المقهور والباحث عن ذاته وسط ركام الدم وكوارث الإستلاب ومديات المجهول،.. المطلوب منهم صناعة وطن، إذ الأوطان تصنع.. أي يُصنع مجدها وعنفوانها ووحدتها وتقدمها، كما يُصنع ذلها واندحارها وتشتتها وتأخرها.. فالوطن ليس نتاجاً تلفيقياً لتكدس بشر على رقعة أرض، يختلسون زمناً من التأريخ وحيّزاً من الواقع لإنتاج وطن!! بل الوطن نتاج هوية متجذّرة وانتماء ضارب وفعل تأريخي متراص وذاكرة فعالة نشطة وحيوية بشرية مبدعة وأنظمة متجددة خلاّقة وديناميكية هاضمة ومستوعبة للتحوّل وآلية حركية قادرة على التمثيل والتوظيف والنتاج الحيوي المتصل بالعالم… فالوطن في عمقه صيرورة لا فكاك عنها في إنتاج أنظمة الدلالة والإنتساب عند بني البشر. من هنا تختلف الأوطان وتتمايز، فاختلافها لا يقوم على أساس اختلاف بقعة أرض أو لون عِرق أو طبيعة ديانة وحسب، بل يعود لإختلاف كينونة ناتجة بفعل اختلاف جوهر الأوطان المُنتَج بفعل تمازج الأرض والإنسان والعقيدة والذاكرة والإنتماء والحركة والولاء والمصلحة.. ضمن حركية فاعلة ومنفعلة في عمق حركة التأريخ . وهنا..كان لزاماً أن تُصنع الأوطان على وفق أنظمتها ومرتكزاتها الذاتية الفريدة، وأي إستغناء أو تهميش أو مُصادرة أو هجانة أو تبعية أو انتقاص أو عبث أو تجاوز أو تنازل عن أي من مقومات جوهرها الذاتي وعواملها البُنيوية الخاصة سيقود إلى تحطيمها واندثارها التأريخي،.. وبنفس القوة ستتهاوى وتندثر فيما لو انغلقت وانحسرت عن التعاطي الفعّال مع حركة التطور وإبداعات العصر فيما تقرّه من آليات ومناهج وغايات تتناغم وتتكامل مع مرتكزاتها البُنيوية لإنتاج الإرتقاء . فهل نعي: أنّ من أمثل مهامنا الوطنية هي صناعة وطننا الجديد على وفق أسس المساواة والعدالة والحرية؟ وهل نعمل لتكون المواطنة وحدة انتماء والديمقراطية وحدة بناء والوطنية وحدة ولاء والكفاءة وحدة قياس فنحول دون إنتاج وطن الإستبداد والإستعباد والتمييز والمحسوبية؟ هل نعي أنّ صناعة الوطن هي صناعة احتراف ووعي ومُثابرة وجد وإخلاص تتمرد على أي تخلف ومراوحة واسترخاء، وترفض أية تبعية وذيلية وتجيير، وتأبى أية وصاية وهمينة واستلاب،.. هل نعي بأنّ صناعة الوطن هي صناعة الإنسان كقيمة وكرامة وسعادة،.. أم ترانا نعيد كرّة الخُسران.. فنفقد مجدداً الوطن والإنسان؟!
|