دولة.. سلطة.. سلطات

 

   المجتمع يُنتج دولة، الجماعة تُنتج سلطة، المجموعات تُنتج سلطات،.. والإختلاف جوهري بين ما تُنتجه هذه الأشكال من سياسة وثقافة، وبالنتيجة  من انتماء وولاء.

   مأزق العراق الحديث يتمثل بصراع هذه الأنماط الثلاثة لصناعة الحياة العراقية، وأزعم بأننا لم نُنتج دولة منذ تأسيس العراق الحديث عام 1921م، دولة راسخة بقوانينها وأنظمتها ومؤسساتها، دولة تحكمها إرادة الأمة تعترف بالكل وتحمي الكل وتستقتل لتوفير السلام والرخاء لرعاياها دونما تمييز أو استبداد. والسبب في الفشل بإنتاج الدولة يكمن في الفشل بإنتاج مجتمع، أنّ مدارسنا الفكرية والسياسية لم تنجح بإنتاج مجتمع نُنتج مجتمعاً مدنياً صاهراً ومعبراً عن كافة مكوناته وشرائحه.. فالدولة نتاج مجتمع، ولا يمكن إنتاج المجتمع الوطني إلاّ وفق حزمة من قيم المساواة والتكافؤ والعدالة والحرية ووفق مباديء المواطنة والديمقراطية والتعددية والسلم والتنمية،.. فهذه القيم والمباديء هي الأسس القادرة على إنتاج مجتمع متوحد فعّال، وبإقرارها واحترامها وتفعيلها سياسياً وقانونياً وثقافياً تنتج الروح الكلية للمجتمع على تنوع مكوناته، وعلى أرضية هذه الروح الكلية الناتجة عن الكل والمحققة لمصالح الكل تنتج الهوية والخصوصية المجتمعية بالتبع، وهو ما يشكّل الأساس الطبيعي لقيام الدولة، باعتبار أنّ الدولة هي الجماعة السياسية الوطنية.

   وفيما لو فشل المجتمع بإنتاج ذاته على أسس المواطنة والعدالة والمساواة والتعايش.. فسيبقى مجتمعاً تقليدياً في بُنيته يستند مفهوم وثقافة وولاء الجماعة الإثنية والطائفية والعرقية والجهوية الضيقة التي لا ترى غير إطارها الخاص ولا تدافع إلاّ عن مصالحها الذاتية،.. وبالنتيجة سيتم تغليب الجماعة على المجتمع كمفهوم واستحقاق، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تغليب السلطة على الدولة، فالسلطة هنا مركز للحكم الضيق المستند إلى عرق معين أو طائفة خاصة على حساب باقي الأعراق والطوائف، وهو ما يؤسس لسلطة الجماعة لا دولة المجتمع. ومع غياب الدولة لحساب السلطة وغياب المجتمع لحساب الجماعة.. تتعدد مراكز السلطة بتعدد الجماعات الإثنية والطائفية، ثم تتعدد السلطات بتعدد مراكز القوة والنفوذ والمصالح داخل الجماعة الإثنية أو الطائفية الواحدة،.. والناتج قيام سلطات بعدد المجموعات داخل الجماعة الطائفية والعرقية،.. وهو ما سيؤدي ليس فقط إلى تفكك الدولة وتلاشي وحدة السلطة بل سيقود أيضاً إلى تكريس السلطات المتكثرة بكثرة المجموعات التي ستطغى لتبتلع المجتمع كهيئة ودور،.. وهنا يصبح الحديث عن الإستقرار والتعايش والتنمية.. ضرباً من الوهم!! فبقاء المجتمع وتماسك الدولة رهن وحدة المجتمع والدولة ووحدة السلطة وانفرادها بالقوة والنفوذ والهيمنة لتسيير الشؤون العامة.

    أرى في مشروع المصالحة الوطنية مشروع إعادة بناء للمجتمع والدولة بعد أن أظهر الواقع خطر ابتلاع المجتمع من قبل الجماعات والمجموعات، وخطر ابتلاع الدولة من قبل السلطة والسلطات،.. وعلى الجميع إنجاح هذا المشروع، فهو ليس خياراً بل ضرورة لا بديل عنها لإنقاذ البلاد من المجهول ومدياته الكارثية فيما لو انهدم المجتمع واضمحلت السلطة وتفككت الدولة.