صُناع الكراهية!!

 

   في إحدى الفضائيات المغرمة بمأساتنا.. استوقفني مشهد طفلة عراقية سمراء بعمر البراعم.. وهي تندب أباها الذي غيبته عصابات الجريمة... استوقف كياني لوعتها، وشدّتني زفرات طفولتها المهدورة... وها أنا أجد نفسي منشداً للكتابة عنها وعن الحب والكره واليأس والأمل.

   نحيا اليوم وسط تحديات كبرى ستتشكل على أساس منها صيرورتنا كأمّة ودولة بعد الهدم والإنهدام القيمي والسيادي والسياسي والإقتصادي... الذي أودى بحياة أمتنا ودولتنا. وأتصور أنّ من أهم تلك التحديات ما يتصل بصناعة الحب والكراهية.. الأمل واليأس.. كصناعة لحياتنا في حاضرها ومستقبلها. 

   يريد لنا صُناع الكراهية أن نكون وحوشاً تملأ خافقي الوطن لنستقطر سماء الحقد سموماً ولنحلب ناقة الكره فتكاً!! يريدون التأسيس لثقافة سوداء يترشح من أغوارها كل ترسبات الأقذار لتقتل الأزهار والبراعم؟! يريدون أن نستنشق اليأس وسط رائحة المجازر حيث تُنحر الآمال والأبدان، وحيث يتحد الشهيق والدُخان؟! يريدون جعل الحياة مهد موت.. حربهم على الحب والتعايش والفرحة والأمل...

   ولكن مَن هم صُناع الكراهية الذين يريدون صناعة عراق اللوعة واليأس؟ إنهم كل دموي حمّال لتوابيت الموت المجاني، كل متخلف قابع في كهوف الجهل، كل مستبد لا يعرف سوى السوط، كل سياسي مهووس بالسلطة، كل طامع لا يجيد سوى التخمة، كل محرّض على الفتن، كل مسؤول فاسد، كل طائفي وعرقي ساحق لأسس التعايش، كل أجير وعميل همه الإرتزاق... هؤلاء هم صناع وطن البؤس، هؤلاء هم قتلة الأمل ورواد النكسة.. نكسة الإنسان والمجتمع والدولة.

   بالمقابل، هناك صُناع الأمل، حملة مفاتيح الإخاء والرحمة  والبسمة والحب.. حب الإنسان بعيداً أي تمييز، حب الأرض بعيداً عن أية خيانة.. حب الوطن دونما ضعة وارتزاق،.. هم كل سياسي شريف ومثقف مبدع وإداري ملتزم.. هم العمال والفلاحون وربات البيوت وأطفال الحارات.. ممن لم يتدنسوا بالكراهية، ولم يلوثهم عفن أفكار التمييز، ولم تغرقهم مستنقعات الفساد، ولم ينخر أصالتهم سوس المحنة... هؤلاء  هم الأمل.. بهم سندحر فلول الكراهية، بزيت مشاعلهم سنضيء الحياة.